تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٩٩
وعزهم الذل ، فجاء رحمة حتى استنقذنا الله بمحمّد ٦ من الضلالة ، وهدانا بمحمّد ٦ من الجهل ، ونحن ـ معاشر العرب ـ أضيق الأمم معاشا وأخسّهم رياشا ، جعل [١] طعامنا الهبيد ـ يعني شحم الحنظل ـ وجعل [٢] لباسنا الجلود [٣] ، مع عبادة الأوثان والنيران ، فهدانا الله بمحمّد ٦ بعد أن أمكنه الله شعلة [٤] النور ، فأضاء لمحمّد مشارق الأرض ومغاربها ، فقبضه الله إليه ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ما أجلّ رزيته ، وأعظم مصيبته ، فالمؤمنون فيه سواء ، مصيبتهم واحدة.
ثم قال علي : فقام مقامه أبو بكر الصدّيق رحمة الله عليه ، فو الله يا معشر المهاجرين ما رأيت خليفة أحسن أخذا بقائم السيف يوم الردة من أبي بكر رحمة الله عليه ، يومئذ قام مقاما أحيا الله به سنّة النبي ٦ ، فقال : والله لو منعوني عقالا [٥] لأجاهدنهم في الله ، فسمعت وأطعت لأبي بكر ، وعملت إذ ذاك خير لي ، فخرج من الدنيا خميصا [٦] ، وكيف لا أقول هذا [في أبي بكر؟ [وأبو بكر][٧] ثاني اثنين ، وكانت ابنته ذات النطاقين ، يعني أسماء ـ تنطلق بعباءة له ، وتخالف بين رأسها ومعها يعني رغيفين [٨] في نطاقها فتزجّ بهما إلى حبيب القلوب محمّد ٦ ، وكيف لا أقول هذا [٩]] وقد اشترى ثلاث نسوة ، وأربعة رجال كلهم أوذي في الله وفي رسوله ، وكان بلال منهم ، وتجهز رسول الله ٦ بماله ، ومعه يومئذ أربعون ألفا ، فدفعها إلى رسول الله ٦ فهاجر بها إلى طيبة ، ثم قام مقامه الفاروق عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ، شمر عن ساقيه ، وحسر عن ذراعيه لا تأخذه في الله لومة لائم ، كنا نرى أنّ السكينة تنطق على لسانه ، وكيف لا أقول هذا ورأيت النبي ٦ بين أبي بكر وعمر رحمهماالله ، فقال : «هكذا نحيا وهكذا نموت وهكذا نبعث ، وهكذا ندخل الجنة» ، وكيف لا أقول هذا في الفاروق والشيطان يفرّ من حسّه ، فمضى شهيدا ، ; ، ثم أراكم معشر المهاجرين والأنصار مقتموني بأبصاركم طرا ـ ولم يكن أبو عبد الله ـ يعني عثمان بن عفان تلك السّاعة ـ ثمّ وأنشأ علي في أبي عبد الله يعني عثمان يقول : ـ أعلمتم معاشر المهاجرين أنه
[١] كذا بالأصل وم في الموضعين ، وفي المطبوعة : جلّ.
[٢] كذا بالأصل وم في الموضعين ، وفي المطبوعة : جلّ.
[٣] في م : الوبر والجلود.
[٤] الأصل : سلعة ، والمثبت عن م.
[٥] كذا بالأصل وم ، وفي المطبوعة : عناقا.
[٦] اللفظة غير واضحة بالأصل ، والمثبت عن م. والخميص : الضامر البطن (اللسان : خمص).
[٧] الزيادة عن المطبوعة والمختصر ١٦ / ١٥٥.
[٨] كذا بالأصل.
[٩] ما بين الرقمين سقط من م.