تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٢٥
عثمان : من هذا الذي يرفع صوته على أمير المؤمنين؟ فقالت عائشة : هذا جبلة بن عمرو الأنصاري ، فصاحت صفية : يا جبيلة ، أترفع صوتك على أمير المؤمنين؟ فقالت عائشة : وصغوها مع الملأ الذين حصروا عثمان ، لم تصغرين اسمه؟ ادعيه يا جبلة ، فإنّ الله لم ينقصه ولم ينتقص اسمه.
فاستوسق أمرهم [١] على أن أجابهم عثمان إلى ما أحبّوا ، ونزع عما كرهوا دون الخلو لهم من الولاية ، فرضوا بذلك ، وافترقوا ، فقال لها سليم مولاها : الحمد لله الذي أصلح أمر هذه الأمة ، وألّف بينهم ، فقالت له صفية : يا سليم ، إنّهم ليسوا بالذين يرضون [٢] منه بما أعطاهم من نفسه ، وقد ركبوا ما ركبوا ، وإنّي سمعت من كلامهم اليوم ما سمعت ، ثم إن عبد الرّحمن بن عديس أشار إلى أصحابه أن يحصروا عثمان ، فأشرف عليهم من كوّة ، فقال : يا أبا الحسن ، ما هذا الذي ركب مني؟ فقال : اصبر أبا عبد الله ، فو الله ما غبت عن قول رسول الله ٦ حين كنا على أحد ، فتحرك الجبل ونحن عليه ، فقال : «اثبت أحد فإنه ليس عليك إلّا نبيّ ، أو صدّيق ، أو شهيد» [٨٠٥٦] ، وأيم الله لتقتلنّ ولأقتلنّ معك ، وليقتلن طلحة والزبير وليجيئنّ قول رسول الله ٦ على أذلاله [٣] ، قال : فانصرف عليّ ، فاختبأ في المسجد وعنده سعد بن أبي وقّاص في ناس كثير ، فأقبل حسن بن علي ، فسارّ أباه ثم انصرف ، ثم أتاه الثانية ، فسارّه ثم انصرف ، ثم أتاه الثالثة فقام معه علي ، فقام سعد حين رأى قيام علي على أثر [٤] ابنه إلى عثمان ، فدخل عليه ، فقال : آخذ سلاحي وآتيك يا أمير المؤمنين؟ فقال عثمان : خذ لي ، وخذ مني يا سعد ، وألطّ القوم [٥] عند ذلك في الدار ، واشتدّ حردهم [٦] ، فخرج سعد في وجوههم ، فقال : الله الله يا معشر المسلمين ، تركتم عثمان حتى إذا غسلتموه وصار مثل الثوب الرّحيض [٧] أردتم قتله ، أفلا بوسخه فعلتم ذلك به؟ فقالوا : ما لنا ولك يا سعد ، فشدّوا على سعد حتى خرّ من قيامه ، فخلص إلى عثمان سهم ، فناشدهم عثمان في قتله ، ونبذ إليهم مفاتيح الخزائن ، فأقبلوا بها حتى وضعوها بين يدي طلحة بن عبيد الله ، فقال : لا والله لا نرضى بذلك منه حتى نسلّه من الولاية مثل [٨] الشعرة من العجين ، فكان أوّل من دخل عليه
[١] أي اجتمع أمرهم (اللسان).
[٢] الأصل وم و «ز» : ترضون.
[٣] أي على وجوهه وطرقه. جمع ذل بالكسر (راجع النهاية لابن الأثير : ذلل).
[٤] بالأصل وم و «ز» : «ابن ابنه» والمثبت عن المطبوعة.
[٥] ألط القوم : اشتدوا في الأمر والخصومة.
[٦] الحرد : الغيظ والغضب.
[٧] الرحيض : المغسول (راجع النهاية واللسان : غسل).
[٨] الأصل : من ، والمثبت عن م و «ز».