تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٢٩
فنقاتل فإنّا على الحقّ وهم على الباطل ، فو الله إنّي لأرجو أن ألقى الله ولم أهرق محجمة من دم المؤمنين.
قال : فمكثنا أياما ثم صلّينا الغداة ، فلما فرغ أقبل علينا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ أبا بكر وعمر أتياني الليلة ، فقالا لي : صم يا عثمان ، فإنّك مفطر عندنا ، فإنّي أشهدكم أنّي قد أصبحت صائما ، وأعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إلّا خرج من الدار سالما مسلّما ، فقلنا : يا أمير المؤمنين ، إن خرجنا لم نأمنهم على أنفسنا ، فائذن لنا فلنكن في بيت من الدار يكون فيه جماعة ومنعة ، فأذن لهم ، فدخلوا بيتا ، وأمر بباب الدار ففتح ، ودعا بالمصحف ، فأكبّ عليه ، وعنده امرأتاه ابنة الفرافصة الكلبية ، وابنة شيبة [١] ، فكان أوّل من دخل عليه محمّد بن أبي بكر الصدّيق ، فمشى إليه حتى أخذ بلحيته ، فقال : دعها يا ابن أخي ، فو الله إن كان أبوك ليهلف لها بأدنى من هذا ، فاستحى ، فخرج وهو يقول : أسعرته [٢] ، وأخذ عثمان ما امتعط [٣] من لحيته فأعطاه إحدى مرتيه ، ثم دخل رومان بن وردان [٤] عداد في مراد رجل قصير أزرق مجدور ، هو في آل ذي أصبح ، معه جرز من حديد ، فاستقبله ، فقال : على أيّ ملة أنت يا نعثل؟ فقال عثمان : لست نعثل ، ولكني عثمان بن عفّان ، وأنا على ملّة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ، فقال : كذبت ، فضربه بالجزر على صدغه الأيسر فقتله ، وأدخلته ابنة الفرافصة الكلبية بينها وبين ثيابها ، وكانت امرأة جسيمة ضليعة ، وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقي من جسده ، فدخل رجل من أهل مصر معه السيف مصلتا ، فقال : والله لأقطعن أنفه ، فعالج المرأة عنه فغالبته ، وكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى بريق متنها ، فلم يصل حتى أدخل السيف بين قرطيها ومنكبها ، فقبضت على السيف ، فقطع أناملها ، وقالت : يا رباح ـ وهو غلام لعثمان أسود ومعه سيف عثمان ـ أغن عني هذا ، فمشى إليه الغلام ، فضربه ضربة بالسيف فقتله ، ثم إنّ الناس دخلوا ، فلمّا رأوا الرجل قد قتل وأن الامرأتين لا تتركانه تذمّمّ ناس من قريش واستحيوا ، فأخرجوا الناس ، ونادى أهل البيت بهم فاقتتلوا على الدار ، فضرب مروان بن الحكم على حبل العانق فخرّ ، وضرب رجل من أهل
[١] هي رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، زوج عثمان بن عفان (أخبارها في الإصابة ٤ / ٣٠٧ وطبقات ابن سعد ٨ / ٢٣٩).
[٢] كذا بالأصل وم و «ز» ، ولعل الصواب : أشعرته ، والإشعار الادماء بطعن أو رمي (انظر اللسان : شعر).
[٣] أي ما نتف.
[٤] كذا ورد اسمه هنا بالأصول ، انظر ما مرّ سابقا حول اسم قاتل عثمان رضياللهعنه.