تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٠١
أنا أبو بكر بن سيف ، أنا السري بن يحيى ، أنا شعيب بن إبراهيم ، نا سيف بن عمر ، عن عطية ، عن يزيد الفقعسي ، قال :
لما خرج ابن السوداء إلى مصر اعتمر فيهم ، فأقام ، فنزل على كنانة بن بشر مرة ، وعلى سودان بن حمران مرة ، وانقطع إلى الغافقي ، فشجّعه الغافقي [١] ، فتكلم وأطاف به خالد بن ملجم ، وعبد الله بن زرير [٢] وأشباه لهم ، فصرّف لهم القول ، فلم يجدهم يجيبون إلى شيء مما يجيبون إلى الوصية ، فقال : عليكم ناب [٣] العرب وحجرهم [٤] ولسنا من رجاله ، فأروه أنكم تزرعون ولا تزرعون العام شيئا حتى ينكسر مصر ، فتشكونه ، فيعزل عنكم ، ونسأل من هو أضعف منه ونخلو بما نريد ، ويظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان أسرعهم إلى ذلك وأعلمهم فيه محمّد بن أبي حذيفة ، وهو ابن خال معاوية ، وكان يتيما في حجر عثمان ، فلما ولي استأذنه في الهجرة إلى بعض الأمصار ، فخرج إلى مصر ، وكان دعاه إلى ذلك أنه سأل العمل ، فقال : لست هناك ، ففعلوا ما أمرهم به ابن السوداء ، ثم إنهم خرجوا ، أو من شاء الله منهم ، وشكوا عمرا [٥] واستعفوا منه ، وكلما نهنه [٦] عثمان عن عمرو قوما وسكّنهم وأرضاهم ، وقال : إنّما هو أمين ، انبعث آخرون بشيء آخر ، وكلهم يطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فقال لهم عثمان : [أما عمرو][٧] فسننزعه عنكم إلى ما زعمتم أنه أفسد ، وأما الحرب فسنقره عليها ، ونولّي من سألتم ، فولّى عبد الله بن سعد خراجهم خراج مصر ، وترك عمرا على صلاتها ، فمشى في ذلك سودان بن حمران ، وكنانة بن بشر ، وخارجة وأشباههم فيما بين عمرو وعبد الله بن سعد ، وأغروا بينهما حتى احتمل كل واحد منهما على صاحبه ، وتكاتبا على قدر ما أبلغوا كلّ واحد منهما : فكتب عبد الله بن سعد إن خراجي لا يستقيم ما دام عمرو على الصلاة ، وخرجوا فصدّقوه ، واستعفوا من عمرو وسألوا عبد الله ، فكتب عثمان إلى عمرو : أنه لا خير لك في صحبة من يكرهك ، فأقبل ، وجمع مصر لعبد الله : صلاتها ، وخراجها ، فقدم عمرو فقال له عثمان : أما عبد الله ما شأنك ، استحيل [٨]
[١] هو الغافقي بن حرب العكي.
[٢] ضبطت عن التبصير ٢ / ٦٤٢.
[٣] ناب العرب أي سيدهم.
[٤] الحجر هنا الداهية.
[٥] يعني عمرو بن العاص.
[٦] نهنهت فلانا إذا زجرته وكففته فكفّ. (اللسان : نهنه).
[٧] الزيادة عن م.
[٨] استحيل رأيك : أي أفسد ، وكل شيء تغير من الاستواء إلى العوج فقد حال واستحال.