تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٤٦
قال : فأجمع رأينا مع رأيه على ذلك ، قال : وقال علي : لو وليت مثل الذي ولي لصنعت مثل الذي صنع.
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنا أبو الحسين بن النّقّور ، أنا أبو طاهر المخلّص ، أنا أبو بكر بن سيف ، أنا السري بن يحيى ، أنا شعيب بن إبراهيم ، نا سيف بن عمر ، عن محمّد ، وطلحة ، قالا :
وبلغ عثمان شدة ذلك على عبد الله ، فكتب إليه : إنّ الذي أتاك من قبلي ليس برأي ابتدعته ولا [حدث أ][١] حدثته ، ولكن هذا القرآن واحد ، [جاء من عند واحد][٢] وهؤلاء قرّاء القرآن عن [٣] النبي ٦ أهل دار الهجرة ، والمهاجرون والأنصار ، وصالحو الأمصار قد نهضوا فيه ، وقاموا به في كل أفق ، وخافوا أن يلبّس من بعدهم ، وأن يجعله الناس عضين [٤] ، وليس بهم أنت ولا أمثالك ، فقام ابن مسعود : يوم خطبته ، فخطب وعذر المسلمين وقال : إنّ الله لا ينزع العلم انتزاعا ، ولكن ينزعه بذهاب العلماء ، وإنّ الله لا يجمع أمّة محمّد ٦ على ضلالة ، فجامعوهم على ما اجتمعوا عليه ، وكان الحق فيما اجتمعوا عليه ، فو الله ما بايعه [٥] أصحابه ولكن استعربوا [٦] ، فكتب ابن مسعود بذلك إلى عثمان واستأذنه في الرجوع إلى المدينة ، وأعلمه أنه يكره المقام بالكوفة لما يخاف أن يحدث فيها بعد فشوّ الدنيا والإذاعة والتكلف ، ويأبى أن يأذن له ، حتى أذن له قبل موته بأشهر لاكثاره [٧] عليه.
وكتب عثمان إلى الأمراء : أمّا بعد ، فإنّ الرعية قد طعنت في الانتشار ونزعت إلى الشّر ، وأعداها على ذلك ثلاث : دنيا مؤثرة ، وأهواء متشرعة ، وضغائن محمولة ، ويوشك أن ينفر ثم يغير فلا تجعلوا لأحد علة ، كفّوا عنهم ما لم يخرقوا [٨] دينا ، وخذوا العفو من أخلاقهم ، واحملوهم ، ودين الله لا توكبنه.
وكتب أيضا إليهم : استعينوا على الناس وكل ما ينوبكم بالصبر والصلاة ، وأمر الله أقيموه ولا تدهنوا فيه ، وإياكم والعجلة فيما سوى ذلك ، وارضوا من الشرّ بأيسره ، فإن قليل الشر كثير ، واعلموا أن الذي ألّف بين القلوب هو الذي يفرقها ويباعد بعضها من بعض ، سيروا
[١] الزيادة عن م للإيضاح.
[٢] الزيادة عن م للإيضاح.
[٣] الأصل : علي ، والمثبت عن م.
[٤] إشارة إلى قوله تعالى (جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) ، أي فرقوه وجزّئوه أجزاء. راجع تفسير القرطبي.
[٥] في م : بايعه.
[٦] الاستعراب والتعريب : الإفحاش في القول. عربت على الرجل كلامه وقوله إذا قبحته عليه.
[٧] الأصل : لاكتراره ، والمثبت عن م.
[٨] في م : يخونوا ، وفي المطبوعة : يحرفوا.