تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٤٢
يقولون لهؤلاء : نحن أصوب منكم قراءة ، وقرآنا. ويقول هؤلاء لهم مثل ذلك ، فلما رجع إلى الكوفة دخل المسجد فتقوّض إليه [١] الناس فحذّرهم ما سمع في غزاته تلك ، وحذّرهم ما يخاف ، فساعده على ذلك أصحاب رسول الله ٦ ، ومن أخذ عنهم وعامة التابعين ، وقال له أقوام ممن قرأ على عبد الله ، وما تنكر؟ ألسنا نقرأ على قراءة ابن أم عبد [٢] وأهل البصرة يقرءون على قراءة أبي موسى ويسمونها لباب الفؤاد [٣] ، وأهل حمص يقرءون على قراءة المقداد ، وسالم؟ فغضب حذيفة من ذلك وأصحابه وأولئك التابعون وقالوا : إنّما أنتم أعراب ، وإنما بعث عبد الله إليكم ولم يبعث إلى من هو أعلم منه ، فاسكتوا ، فإنكم على خطأ ، وقال حذيفة : والله لئن عشت حتى آتي أمير المؤمنين لأشكون إليه ذلك ولآمرنه ، ولأشيرنّ عليه أن يحول بينه وبين ذلك حتى ترجعوا إلى جماعة المسلمين ، والذي عليه أصحاب رسول الله ٦ بالمدينة ، وقال الناس مثل ذلك ، فقال عبد الله : والله إذا ليصلينّ الله وجهك نار جهنم ، فقال سعيد بن العاص : أعلى الله ، تألّى [٤] والصواب مع صاحبك؟ فغضب سعيد ، فقام ، وغضب ابن مسعود ، فقام ، وغضب القوم فتفرّقوا ، وغضب حذيفة ، فرحل إلى عثمان حتى قدم عليه ، فأخبره بالذي حدث في نفسه من تكذيب بعضهم بعضا بما يقرأ ، ويقول أنا [٥] النذير العريان فأدركوا [٦] فجمع عثمان الصحابة وأقام حذيفة فيهم بالذي رأى وسمع وبالذي عليه حال الناس ، فأعظموا ذلك ، ورأوا جميعا مثل الذي رأى ، قالوا : إن يتركوا ويمضي هذا القرن لا يعرف القرآن ، فسأل عثمان : ما لباب الفؤاد؟ فقيل : مصحف كتبه أبو موسى ، وكان قرأ على رجال كثير ممن لم يكن جمع على النبي ٦ وسأل عن مصحف ابن مسعود ، فقيل له : قرأ على مجمّع بن جارية ، وخبّاب بن الأرتّ ، جمع القرآن بالكوفة ، فكتب مصحفا ، وسأل عن المقداد فقيل له : جمع القرآن بالشام ، فلم يكونوا قرءوا على النبي ٦ ، إنما جمعوا القرآن في أمصارهم ، فاكتتبت [٧] المصاحف وهو بالمدينة ـ وفيها الذين قرءوا القرآن على النبي ٦ ، وبثها في الأمصار ، وأمر الناس أن يعمدوا [٨] إليها وأن يدعوا ما يعلّم من الأمصار ، فكل الناس عرف فضل ذلك ، أجمعوا عليه وتركوا ما سواه إلّا ما كان من
[١] تقوض انهدم ، وتقوّض الرجل : جاء وذهب (القاموس المحيط).
[٢] يعني عبد الله بن مسعود.
[٣] في ابن الأثير : لباب القلوب.
[٤] الأصل وم قالا ، والتصويب عن المختصر ، وتألّى : حلم عليه وحلف.
[٥] الأصل : إنما ، والمثبت عن م.
[٦] في ابن الأثير : فأدركوا الأمة.
[٧] الأصل وم والمطبوعة ، وفي المختصر : فاكتتب.
[٨] الأصل : يعهدوا ، وفي م : يعدوا ، والمثبت عن المختصر.