أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٩٠ - الباب الثامنعشر في التحذير من خدع المحتالين الذين يتسمون باسم الطب و الفرق بين خدعهم و الحيل الطبية
و لما كانت صناعة الطب أجل المهن قدرا في نفع الانسان، و اهلها السالكون طرقها بالحقيقة هم عند الناس من مرتبة شريفة عالية يكرموهم و يجلونهم و كانت ايضا هذه الصناعة مخصوصة باقوام خواص، فكانت بذلك مصانة لا يمكن كل من التمسها الدخول فيها، فلما وسع لكل من طلبها الدخول فيها و كان الناس بطبعهم يحبون نيل المراتب النسبية و التشريف و التبجيل، و لم يكن ذلك ليوجد لمهنة من المهن فوق صناعة الطب طلبها غير أهلها حسدا لهم، و لما لم ينالوا حقيقتها لينالوا[١] به العلو و المنزلة الرفيعة لسوء امزجتهم و غلظ قرايحهم عدلوا الى الحيلة على الناس بضروب من الخدع و الدهثمة ستروها بما أظهروه من الزي و اللباس و التصنيع لمشابهة اهل الصناعة بالحقيقة في الفاظهم، و كثيرا من امورهم. و كانوا بذلك و بما جمّلوا به دكاكينهم و اظهروه من آلاتهم ليصيدوا الناس كمن نصب الفخاخ و بسط الشباك لصيد الحيوانات. و لان هذه الآفة الداخلة على هذه الصناعة و على اهلها حتى اوقعت في بعضهم الشك و اكسبتهم سوء الظن بهم من كثير من الناس لما يرونهم عليه من صونها و توفيتها حقوقها، نعم حتى ان جهال الناس و اشرارهم يعتقد فيهم البغضة و يضمرون لهم الشر.
فلذلك وصف جالينوس من خدع هؤلاء و خذلهم التي يعملونها ليتفقون بها على الناس فاذكر هاهنا بعضه ليعلم به جملة ما قصدت لذكره فتأمل. فأما جالينوس في كتابه في نوادر تقدمة المعرفة[٢] هذا القول اما بحسب ما يراه كثير من الاطباء (يا افنجانس) فانه غير ممكن ان يتقدم واحد فينذر بما هو حادث بالمرضى في كل واحد من امراضهم، و ذلك انه متذكر من غايته ان يظن به ما يقدره من غير أن يعنى بمعرفة ذلك حق معرفته لا في الطب فقط لكن في سائر الصناعات استهمين باحسن ما في الصناعات و احرفت العناية الى الاشياء التي تشتهر و يكبر بها الانسان عند الكبر (فأقصد)[٣] معرفة الاقاويل و الافعال التي تنحو نحو اللذة و التملق و المساعدة بالقحة و التسليم في كل يوم على ذوي اليسار و المتسلطين في المدن و تشييع من يريد الشخوص الى ناحية من النواحي و استقبالهم اذا قدموا من البلدان و الحيلة لطلب الضحك في المجالس، و منهم قوم لم يقتنعوا بهذه الاشياء فقط لكنهم راموا ايضا ان يقنعوا العوام انهم يستحقون بسراة لباسهم و كثرة ثمنه و حسن خواتيمهم و سراتها، و كثرة من معهم من التباع و بما يوجد لهم
[١] ( ١٦٦ ب) وردت في الاصل( لينالون) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] كتاب نوادر تقدمه المعرفة- مقالة واحدة( ابن ابي اصيبعة ص ١٤٣).
[٣] وردت في الاصل( قاصد) و الصحيح ما اثبتناه.