أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٦٥ - الباب الخامسعشر في ان صناعة الطب لا يصلح ان يعملها كل من التمسها لكن اللائقة بهم في خلقهم و اخلاقهم
قصده لتعلمها انما هو لاسباب دنيائية من مال و سلطان او غير ذلك فانه في الاحرى الا ينال منها كثير منال و لا يحظى بما رجاه. بل لا يؤمن عليه ضد ذلك مما أقل لانه دائما يخجل بين العلماء و يفتضح في اعماله عند الأدباء و الرؤساء و اذا علم منه انه معرض لما لا يقوم به تيقن علمه كان تحت اخطار تقوده الى الهلاك. و من المشهور ان اليسير من علم صناعة الطب تضر و لا تنفع، و ذلك لان أصغر فروعها متشبث باعظم اصولها بل مشتبك بجملة أصولها و ليست كسائر الصنائع التي من تعلق عنها بأصل او فرع لم يتعلق ذلك بغيره، فهو لذلك ينتفع و ينفع الناس بما تعلمه و لا يلحقهم مما جهله ضررا، و مثال ذلك صائغ علم من الصياغة عمل خاتم فهو دائما يعمل خواتيم و لا يضره و لغيره جهله بعمل الأسوره و الخانات مثلا فلذلك قال بقراط الصناعة طويلة[١]. و لذلك يجب ان يكون الملتمس على هذه الصناعة من اولاد أهلها قد عني ابويه بتقويم مزاجه و أخذه بالعادات المحمودة في تدابيره و أصلاح أخلاقه و بتلقينه و تبصره ليكون بذلك معدا للتعليم بأيسر سعي.
فأما ملتمس هذه الصناعة من ابناء اهل الصنايع الأخر فيكد و ما ينجح من تعلمها لان النجار و الحداد و الدباغ و الحائك مثلا كل واحد منهم منصرفا الى صناعته لا خبرة له بصناعة الطب فيلقن ولده من اصولها ما يلقنه الطبيب لولده ليله و نهاره، فاذا المقومين الذين قد راضهم آباؤهم من اهل صناعة الطب هم الذين يصلحون لتعلمها لاكل من التمس تعلمها كما قال جالينوس فانه قال كما لا يصلح اتخاذ التمثال من كل حجر و لا ينتفع بكل كلب في محاربة السباع كذلك ايضا لا يجد كل انسان يصلح لقبول صناعة الطب لكنه ينبغي ان يكون البدن و النفس ملائمين لقبولهما.
و ايضا فقد بين ابقراط كيف ينبغي ان يكون البدن من ذلك قوله في شكل الأصابع فأن شكل الأصابع ممن يعنى بصناعة الطب يجب ان يكون الذي فيما بينهما واسعة و ان يكون الابهام مقابلة للسبابة. و اما النفس التي لا تليق بقبول الطب فانه جعل المحنة لها بما أمر به من الايمان فمتى وجد الانسان تمكنه حفظ ما أمر به من كتاب الايمان علم أنه ملائم لقبول الصناعة و متى كان ممن لا يمكنه حفظ وافي ذلك الكتاب لم يدنو الى تعلمها. قال جالينوس ان أحد الاسباب التي وضع أبقراط كتاب الايمان[٢] هو ما ذكرناه من امتحان الانسان
[١] ( ٩١ ب) ابن ابي اصيبعة ص ٥١.
[٢] كتاب الايمان لابقراط- و يعرف ايضا بكتاب العهد( ابن ابي اصيبعة ص ٥٥) و قد يكون منحولا عليه.