أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٦٦ - الباب الخامسعشر في ان صناعة الطب لا يصلح ان يعملها كل من التمسها لكن اللائقة بهم في خلقهم و اخلاقهم
المريد تعلم صناعة الطب في جسمه و في نفسه و لأنا قد قدمنا في الباب الأول من كتابنا هذا اوصاف الجسم المحمود و النفس الفاضلة فلذلك يستغنى عن اعادته هاهنا. و اما السبب الثاني فهو ان كثيرا من الصناعات لا يمكن فيها أشياء يمكن ان تضر من يستعملها و اما صناعة الطب فممكن فيها تلك الاشياء بأعيانها التي ينتفع بها ان تضرّ ايضا و الى الطبيب في اكثر الأمراض التي تخلص المرضى ان شاء او تقتلهم. فلان لا يدني الطبيب في وقت من الاوقات فسبب منفعة من المنافع ينالها على غير الواجب مكان الأشياء التي ينتفع بها اشياء تضر، تقدم بقراط فعقد في عنقه هذه الايمان فاحلفه ان يكون دخوله الى المرضى طلبا لمنفعتهم لا الاضرار بهم. من ذلك انه قال بهذا السبب في ذلك الكتاب هذا القول قال بقراط و جميع المنازل التي أدخلها لمنفعة المرضى و انا بحال خارجه عن كل جور و فساد. ثم ذكر جالينوس سببا ثالثا لوضع بقراط لكتاب العهود و الأيمان و هو هذا يقول، قال جالينوس ان الذي قد كان فيما تقدم من معلم الطب الى اسقليوس عهود و أيمان يمنعهم من تعليم صناعة الطب أحدا خلا أولادهم و كانت المواضع التي يتعلم فيها الطب ثلاثة أحدها في مدينة رودس و الآخر بمدينة قو و الثالث بمدينة قندس[١] الا ان التعليم الذي كان بمدينة رودس و بمدينة قندس باد بسرعة لأنه لم يكن لابنائهم نظر و ذلك لان الوارثين له كانوا نفرا يسيرا و اما الذي بمدينة قو تمت منه بقايا يسيره لبنات الوارثين له فلما نظر بقراط الى صناعة الطب قد قربت من التلف بسبب هذه الاجناس الثلاثة و نقصاتهم، أحب ان يذيعها في جميع الناس كيلا تبدو و لئلا يظن انه قد اخطأ فيما بينه و بين ربه جعل المتعلمين للطب أمانة بما عقد في رقابهم من الأيمان و بيان ذلك في قوله في كتاب الايمان هذا القول. قال بقراط: و ارى ان المعلم لهذه الصناعة بمنزله أباي و الجنس المتناسل منه مساوى لأخوتي[٢] قال جالينوس فبعد ان جعل المعلمين للصناعة انما علمهم أياها من غير ان يكون في ذلك على ذم و خطأ فيما بينه و بين اللّه تعالى ..
و اذ قد أتضح بما حكيناه عن القدماء كيف كان شرف صناعة الطب في الدهور السالفة
[١] ( ٩٢ ب) رودس، قو، قنديس- اسماء جزر صغيرة يونانية قريبة من ساحل آسيا الصغرى من جهتها الغربية الجنوبية، و لكل منهما تاريخ في الطب اليوناني.
[٢] هذه فقرة صغيرة من قسم ابقراط الذي نشره ابن ابي اصيبعة( عيون الانباء ص ٤٥).