أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٦٧ - الباب الخامسعشر في ان صناعة الطب لا يصلح ان يعملها كل من التمسها لكن اللائقة بهم في خلقهم و اخلاقهم
فلنقل بعد ذلك ما الاسباب التي قد اوجبت في هذا الزمان سقوطها فنقول لذلك اسباب نذكر جملتها احدها هو ما قد تداخل الداخل فيها من الطمع و الثقة بانه لا يفتقد عليهم منها علما و لا عملا فسهلوا على نفوسهم فتركوا النظر و القراءة و الخدمة و مالوا الى الملق و المخرقة و التغلغل في انواع الحيل فضاعت الحقائق اوقف الناس على علاج ذلك الملوك و من لهم القدر على افتقاد ذلك و صلاحه. و السبب الثاني استهانة الناس بحقوق الأطباء في ضروب الاكرام و المكافأة فاحتاج الاطباء أن يحتالون لهم مع الطب معاش آخر من تجارة و دكان و حيلة فعرض من ذلك استهانة بالصنائع لما حسب ثمرتها و لما فعلوا ذلك خسوا و اسقطوا الصناعة فكان الأمر في ذلك شبيه بالشيء الدائر على ذاته بالعكس أعنى أنهم كلما هربوا هانوا و كلما هانوا هربوا. و السبب الثالث دخول من لا يليق بها و ليس من أهلها فيها فلقلة معرفتهم باصولها و يقدرها و حقوقها افسدوا محاسنها فخست بهم و لطمع اهل السره في صنعتهم ما انصرفوا اليهم رغبة في استخدامهم مجانا و أخذ حوائجهم بأيسر ثمن و لما علم أولئك الاطباء المحتالون ان ذلك يجر اليهم من غير أولئك نفع و يوقع في شباكهم المرأة و الضعيف و القريب سمحوا لهم ليتخذونهم باب الحيلة و محوى للصيد فكان ذلك سببا لهلاك الضعفاء و سقوط أهل هذا الشأن و تركهم الاهتمام بقراءة او تعليم و ايضا فلألف الناس لهذا الطمع صار من خرج عن هذه الطبقة المحتالة و قصد لتوفيه الصناعة حقها مذموما مسبوبا اذا لم يواتي الجهال الى ما يريدونه و السبب الأعظم الذي قد سهل في هذا الوقت على كل أحد الدخول في صناعة الطب الجسارة عليها هو الرأي الذايع المشهور ان كل ما يفعله الانسان من الافعال المحموده و المذمومه فذلك الفعل عن اللّه تبارك لا عن الانسان فلما سمع الاشرار و اصحاب الحيل ان من سرق او قتل او زنا او فعل أي فعل كان ذلك منسوبا الى اللّه تعالى اذ هو فاعل وداع لذلك وثق الداخلون في صناعة الطب بذلك و اطمأنوا فجسر كل أحد على الدخول فيها و التعرض لسقي الأدوية و الفصد و البزل و غير ذلك بغير معرفة لعلمهم بأن الناس عند هلاك من يهلك على ايدى الأطباء يقدرونهم و يردون ذلك الى قضاء الباري. و لو كان الأمر جاز على القوانين المتقدمة من قديم في زمان اليونانين بأن لا يطلق لاحد الدخول في صناعة الطب الا على ما قدمنا ذكره اذا دخل فيها داخل لم يؤذن له في التصرف بها الا بعد محنته[١] بطرق المحن التي نذكر جملها في الباب
[١] ( ٩٣ ب) محنته اي امتحانه.