التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٤٩ - مراتب التقوى
فإنّ في هذا المسير الباطني مواقف ومعاهد ومخاطر لا يعقلها إلّا العالمون، ودقائق ولطائف لا يتنبّه لها إلّا المخلصون. فرُبّ مرحلة من مراحل التقوى لا يصدّق الفهم العامّي بكونها ممّا تستطيعه النفس الإنسانية، فيجزم بكونها غير مستطاعة، وإن كان أهل التقوى الحقّة خلّفوها وراء ظهورهم، وأقبلوا بهممهم على ما هو أشقّ وأصعب.
فمحصل الآيتين اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ و فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أن يندب جميع الناس ويدعوا إلى حقّ التقوى، ثمّ يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا. وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلّا أنّهم في مراحل مختلفة، وعلى درجات متفاوتة، على طبق ما عندهم من الأفهام والهمم، وعلى ما يفاض عليهم من توفيق الله وتأييده وتسديده، فهذا ما يعطيه التدبّر في معنى الآيتين. حيث تدعو
الأولى إلى المقصد والثانية تبيّن كيفية السلوك»[١].
ممّا تقدّم يتّضح أنّ التقوى ليست مقاماً دينياً خاصّاً، بل هي حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية، أي أنّ لكلّ مقام معنوي تقوى خاصّة تختصّ به. وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مراتب عباده، وذكر لكلّ مرتبة نوعاً من العلم والمعرفة والعمل، لا يوجد في المرتبة الأخرى. فمثلًا ذكر الموقنين وخصّ بهم مشاهدة ملكوت السموات والأرض، حيث قال: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
[١] -() الميزان في تفسير القرآن، ج ٣ ص ٣٦٧. بتصرّف.