التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٤٠ - الطريق الثاني الحب الإلهي
قلبه إلّا لوجهه، فإنّ هذا العبد لا يعثر بشيء، ولا يقف على شيء وعنده شيء من الجمال والحسن إلّا وجد أنّ ما عنده أنموذج يحكي ما عنده (تعالى) من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يُحدّ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، وكلّ ما كان لغيره فهو له، لأنّ كلّ ما سواه آية له، ليس له إلّا ذلك، والآية لا نفسية لها، وإنّما هي حكاية تحكي صاحبها، وهذا العبد قد استولى سلطان الحبّ على قلبه ولا يزال يستولي. ولا ينظر إلى شيء إلّا لأنّه آية من آيات ربّه، وبالجملة فينقطع حبّه عن كلّ شيء إلا ربّه، فلا يحبّ شيئاً إلّا الله سبحانه وفي الله سبحانه.
حينئذ يتبدّل إدراكه وعلمه، فلا يرى شيئاً إلّا ويرى الله سبحانه قبله ومعه، وتسقط الأشياء عنده من حيّز الاستقلال، فما عنده من صور العلم والإدراك غير ما عند الناس، لأنّهم إنّما ينظرون إلى كلّ
شيء من وراء حجاب الاستقلال بخلافه، هذا من جهة العلم.
كذلك الأمر من جهة العمل، فإنّه إذا كان لا يحبّ إلّا الله، فلا يريد شيئاً إلّا لله وابتغاء وجهه الكريم، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف ولا يختار ولا يترك ولا ييأس ولا يستوحش ولا يرضى ولا يسخط إلّا لله وفي الله، فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض، وتتبدّل غاية أفعاله، فإنّه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لأنّه فضيلة إنسانية، ويحذر الفعل أو الخلق لأنّه رذيلة إنسانية.
أمّا الآن فإنّما يريد وجه ربّه ولا همّ له في فضيلة ولا رذيلة، ولا شغل له