التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٣٩ - الطريق الثاني الحب الإلهي
أنواع النقص والحاجة تدلّ على غناه المطلق، وتسبّح وتنزّه ساحة القدس والكبرياء، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[١].
فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربّهم وعرّفها لهم، وهو أنّها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله، وليس لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلا أنّها كمرائي تجلّي بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي، وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق،
وبذلّتها واستكانتها ما فوقها من العزّة والكبرياء، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة، دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزّة والفطرة، ويغشى قلبه من المحبّه الإلهية ما ينسيه نفسه وكلّ شيء، ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانيةعن باطنه، ويبدّل فؤاده قلباً سليماً ليس فيه إلّا الله عزّ اسمه[٢].
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم[٣]، في الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينة قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ: إِلَّامَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم قال: السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه»[٤].
وعلى هذا الأساس فكلّما ازداد الإنسان معرفة ازداد إيماناً، وكلّما ازداد إيماناً ازدادت نفسه انجذاباً، فيأخذ الحبّ في
الاشتداد «ولا يزال يشتدّ هذا الحبّ ثمّ يشتدّ حتى ينقطع إليه من كلّ شيء، ولا يحبّ إلّا ربه، ولا يخضع
[١] -() الإسراء: ٤٤.
[٢] -() الميزان، مصدر سابق، ج ١١ ص ١٥٩.
[٣] -() الشعراء: ٨٩.
[٤] -() الميزان، مصدر سابق، ج ١٥ ص ٢٩٢.