التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٠٨ - دور العلل الطبيعية في وجود الحوادث الكونية
القريب سبب للحادث، والسبب البعيد سبب للسبب. ويمكن تقريب هذه الحقيقة، أعني السببية الطولية من خلال مثال حسّي، «وهي الكتابة التي يكتبها الإنسان بيده وبالقلم، فللكتابة استناد إلى القلم، ثمّ إلى اليد التي توصّلت إلى الكتابة بالقلم، وإلى الإنسان الذي توصّل إليها باليد وبالقلم، والسبب
بحقيقة معناه هو الإنسان المستقل بالسببية، من غير أن ينافي بسببيته استناد الكتابة بوجه إلى اليد والقلم»[١].
وإلّا فإنّ القرآن كما يثبت استناد الحوادث إلى أسبابها المادية والطبيعية، كذلك يصدق استنادها إلى الملائكة، ومن الواضح أنّه ليس لشيء من هذه الأسباب الطولية استقلال قباله تعالى، بنحو إذا استند إلى غيره سبحانه، يكون مانعاً من الاستناد إلى السبب الحقيقي الذي من ورائها وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ[٢]، «على ما يقول به الوثنية من تفويضه تعالى تدبير الأمر إلى الملائكة المقرّبين، فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال عن كلّ شيء من كلّ جهة لَا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً[٣]»[٤].
كذلك في المقام، فإن استناد الحوادث إلى عللها الطبيعية، لا يمنع من استنادها إلى أسباب معنوية مرتبطة بأفعال الإنسان، في طول هذه العلل،
[١] -() الميزان، مصدر سابق، ج ٢٠ ص ١٨٤.
[٢] -() البروج: ٢٠.
[٣] -() الفرقان: ٣.
[٤] -() الميزان، مصدر سابق، ج ٢٠، ص ١٨٤.