شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٣١ - الخطبة الثمانين تسمى الغراء يذكر فيها بعض نعوت جلاله،و الوصيّة بتقوى اللّه و التنفير عن الدنيا،و بعض مباحث المعاد الجسمانىّ
[المعنى]
و قد أثنى على اللّه تعالى في هذا الفصل باعتبارات أربعة من نعوت جلاله :
الأوّل:كونه عليّا،و إذ ليس المراد به العلوّ المكانىّ لتقدّسه تعالى عن الجسميّة كما سبق فالمراد العلوّ المعقول له باعتبار كونه مبدء كلّ موجود و مرجعه فهو العلىّ المطلق الّذي لا أعلى منه في وجود و كمال رتبة و شرف كما سبق بيانه،و لمّا عرفت أنّ معنى الدنوّ إلى كلّ موجود صدر عن قدرته و قوّته لا جرم جعل للحوقه له مبدءا هو حوله.
الثاني :كونه دانيا بطوله.و لمّا عرفت أنّ معنى الدنوّ و القرب في حقّه تعالى ليس مكانيّا أيضا كان اعتبارا تحدثه عقولنا له من قرب إفاضة نعمه على قوابلها و قربه من أبصار البصائر في صورة نعمة نعمة منها و لذلك جعل طوله مبدءا لدنوّه.
الثالث:كونه مانح كلّ غنيمة و فضل.
الرابع:كونه كاشف كلّ عظيمة و أزل .هما إشارة إلى كلّ نعمة صدرت عنه على قابلها فمبدءها جوده و رحمته سواء كانت وجوديّة كالصحّة و المال و العقل و غيرها أو عدميّة كدفع البأساء و الضرّاء،و إليه الإشارة بقوله «وَ مٰا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ ثُمَّ إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذٰا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ» ١الآية،و قوله «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفٰاءَ الْأَرْضِ» ٢.
[و قوله:أحمده.إلى قوله:نعمه .]
و قوله: أحمده.إلى قوله:نعمه.
تنبيه للسامعين على مبدء استحقاقه لاعتبار الحمد،و هو كرمه.قال بعض الفضلاء:
الكريم هو الّذي إذا قدر عفا،و إذا وعد وفا،و إذا أعطى زاد على منتهى الرجاء و لم يبال كم أعطى و لا لمن أعطى،و إن رفع إلى غيره حاجة لا يرضى،و إذا جفى عاتب و ما استقصى، و لا يضيع من لاذبه و التجا و يغنيه عن الوسائل و الشفعاء.فمن اجتمعت له هذه الاعتبارات حقيقة من غير تكلّف فهو الكريم المطلق.و ليس ذلك إلاّ اللّه تعالى.قلت:و الأجمع الأمنع في رسم هذا الاعتبار يعود إلى فيضان الخير عنه من غير بخل و منع و تعويق على كلّ من يقدر أن يقبله بقدر ما يقبله.و عواطف كرمه هى نعمه و آثاره الخيريّة الّتى تعود على عباده مرّة بعد اخرى،و سوابغ نعمه السابغة الّتى لا قصور فيها عن قبول قابلها .
١) ١٦-٥٥
٢) ٢٧-٦٣