الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٨ - تعريف الحكم عند الأصوليين والفقهاء
وتنقيح المقام يستدعي نقل الكلام عن العلماء الأعلام فنقول: قد ذكر غير واحد أنه لا إشكال عند المسلمين إن الله متكلم، وإنما وقع الخلاف في معنى كلامه. وفي قدمه وحدوثه وسبب الخلاف هو تحقق قياسين متعارضين:
أحدهما: أن كلامه تعالى صفة له، وكل ما هو صفته فهو قديم فكلامه قديم.
وثانيهما: أن كلامه تعالى مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك فهو حادث. فكلامه حادث، فبسبب تعارض هذين القياسين اختلفت الأمة على مذاهب أربعة:
فذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أنه لفظ حادث، وقالوا بصحة القياس الثاني وأبطلوا صغرى القياس الأول، وقالوا: إن كلامه تعالى ليس قائماً بذاته بل خلقه تعالى في غيره كالشجرة وجبرائيل والنبي (ص) فمعنى كونه تعالى متكلماً حينئذ إنه يخلق الكلام، وإنه قادر على إيجاده، وإيجاد الألفاظ الدالة على مراده ومراميه، فتكون المتكلمية عندهم ليست صفة في عرض سائر الصفات بل هي من شؤون القدرة مثل الخالقية فهي من صفات أفعاله، ولا يلزم من ذلك قيام الحادث بالقديم، فإنه يكون كلامه نظير خلقه تعالى للأشياء الحادثة، فإن الذي منع منه الفلاسفة هو قيام الحادث بذات القديم، وصفات الأفعال ليست بصفات حقيقية له تعالى حتى تكون عين ذاته، وإنما هي إضافة محضة كالخالقية والرازقية فهي خارجة عن الذات وحادثة، ولا منافيات بين حدوث الأثر وقدم الفاعل المختار.