الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٥٦ - التحقيق في الأحكام الوضعية
أقول: لا يخفى على الفطن اللبيب أن ما أفاده المحقق المزبور في هذا المقام من البدو إلى الختام كله راجع إلى دعوى الوجدان الممنوعة عليه والمصادرة العارية عن البينة والبرهان ومع ذلك ففي كلامه مواقع للنظر:
منها قوله: (فهل يجد الولي من نفسه أنه أنشأ إنشائين ... إلى أخره). قلت: نعم أنه أنشا إنشائين إذ المراد بالإنشائين هو الإنشاء بهذا الخطاب حتى يقال أنه إنشاء واحد وهو الطلب المقيد بل الإنشاء كما عرفت هو الإرادة التصديقية المسبوقة بهذا الخطاب، وحينئذ فأي مانع من الالتزام بإنشائين أحدهما إنشاء العقلة والربط بين المجيء والوجوب والثاني طلب هذا الشيء عند حصول المجيء، فهذا نظير جعل الماهيات المخترعة وإنشاء طلبها وهذا أمر ممكن لا مانع عنه بل هو أمر واقع حسبما عرفت غاية الأمر كون الكاشف عنهما خطاباً واحداً ولا ضير فيه بعدما كان دلالة الخطاب على أحدهما بالمطابقة وعلى الآخر بالاستلزام، وعلى هذا فإن كان الخطاب متضمناً لحكم تكليفي كقوله تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ] فدلالته على التكليفي يكون بالمطابقة وعلى الوضعي بالالتزام فيكون استفادته منه تبعية حسبما ذكروه في دلالة قوله تعالى [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] على الصحة التي هي حكم وضعي بالالتزام، ولذا تمسك به جماعة على صحة العقد المشكوك صحته فيما لو علم عدم لزومه على تقدير صحته. ودفعوا الإيراد عليه باستلزام انتفاء الدلالة الالتزامية بانتفاء دلالة المطابقة التي هي الأصل بأنه مما لا غبار عليه بعدما كان المستفاد بنفسه أصلياً، وتمسكهم هذا أقوى دليل على ثبوت الجعل للحكم الوضعي الذي هو الصحة وإلّا لانتفى بانتفاء منشأ انتزاعه أعني وجوب الوفاء. وعلى هذا فاستفادة الحكم الوضعي من الخطاب المذكور