الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٨٠ - وجوب تشريع الأحكام ووجه حسنه
حكمته تعالى تقتضي ذلك الفعل لا أن غيره أوجبه عليه تعالى كما توهمه بعضهم وشنع على القائلين بالوجوب.
وأما الأشاعرة فقد نفوا ذلك وزعموا أن التكليف والتشريع للأحكام ليس بواجب بل هو تفضل منه تعالى إن شاء فعله وإن شاء لم يفعل.
والحق هو الأول لأن جعل التكليف على نوع الإنسان إنما هو لإصلاح المعاش وتنظيم الحياة، فهو أمر حسن يحكم بوجوبه العقل على من بيده ملكوت الإنسان وله عليه السلطان. وعليه سيرة العقلاء من قديم الزمان فلا تجد حكومة إلّا وقد سنت قوانين لإصلاح أمور أتباعها وتنظيم حياة رعاياها، وذلك لجلب السعادة إليهم ودفع الشقاء عنهم في أدوار حياتهم الفردية والاجتماعية، وفي أطوار نشأتهم الأولية والأخروية. فإنه تعالى لو تركهم سدى لأحاطت بهم المهالك، ولضاقت بهم المسالك لقصور عقل الإنسان عن إدراك ما ينفعه وما يضره، ولغلبة الشهوة فيه على سلطان العقل، وحبه للسطوة والسيطرة على أفراد النوع، والنزاع على وسائل العيش. وهو أعز مخلوق لدى الله (عز و جل)، وأشرف موجود عنده. فلا يعقل أنه يهمل أمره ولا يصلح شأنه وهو الرب الرحيم الرؤوف بمخلوقاته المدير لمصنوعاته، فأرسل الرسل مبلغين ومنذرين بقوانين وأحكام. ترشدهم لصالحهم الخاص والعام، وتنظم لهم أمور الحياة في السراء والضراء، وتوصلهم إلى الكمال، وتجنبهم عن الضلال وتربطهم بخالق الكون ومدبره. فكلفهم بالمعرفة بأصول الدين ليطلعوا على عظيم شأنه، وكمال قدرته على خلقه. ويطاع في أمره ونهيه،