الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٢٨ - التحقيق في الأحكام الوضعية
حيث لا مغايرة بين الإنشاء حينئذ والمنشأ خارجاً وإنما المغايرة بالاعتبار فإنشاء الحكم والطلب والبيع ونحو ذلك عين هذه الأشياء ولا مغايرة بينهما إلّا بالاعتبار كما في الإيجاد والوجود والإيجاب والوجوب، فإن الإيجاد ليس مفهوماً مغايراً للوجود الواقع في الخارج على الموجود إلّا باعتبار فمن حيث قيامه بالموجِد يسمى إيجاداً، ومن حيث وقوعه في الخارج يسمى وجوداً، وعلى هذا فإنشاء الحكم الشرعي عين الحكم خارجاً ويختلفان بالاعتبار لما عرفت من أنه من قبيل القسم الثاني لا الأول وما يلازمه من الطلبية والمطلوبية والزجرية والبعثية ونحوها أموراً اعتبارية لا تأصُّل لها.
والحاصل أنه عند إنشاء الحكم الشرعي يعقد القلب على الإلزام بالعمل أو الإلزام بتركه أو عدم الإلزام بهما ثم يأتي بالكاشف عنه لينشأ به فيكون موجوداً بالوجود الإنشائي.
الأمر الثالث: قد وقع الخلاف بين الحكماء في أن لوازم الماهيات كحلاوة الحلويات وحرارة النار وضوئها وحرارة السم وإهلاكها هل هي مجعولات بجعل مغاير لمحلها أو منجعلة بجعلها؟ وهذه المسألة هي أصل مبني القول بالجبر والعدم، فالأشاعرة على أنها مجعولة بجعل مغاير واستدلوا عليه بقوله تعالى: [جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] [وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا]. والمعتزلة على أنها منجعلة بجعل محالها، كما أشار إليه الشيخ الرئيس بقوله: (ما جعل الله المشمش مشمشاً بل أوجده)، وقالوا إن الشرور الصادرة من المكلفين ليست مجعولة بل المجعول هو الوجود وليس هو إلّا خيراً محضاً، وأما الشر فهو ليس مجعولًا صرف، وإلى ذلك أشار الفيلسوف السبزواري بقوله: