الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٢٧ - التحقيق في الأحكام الوضعية
فإنها مما لا تعلق لها بأفعال المكلفين مع أنها أيضاً خطاب الله، فدفعه بعضهم بأن المراد مطلق التعلق ولو كان بعيداً فيشمل الوضعيات فإن لها تعلقاً بالأفعال بالواسطة، وآخر بأن زاد قيداً والوضع، وثالث بأن خروجها غير قادح فإن الوضعيات ليست من الأحكام بالمعنى المصطلح التي يكون التعريف مسوقاً لبيانها، فنزاعهم حينئذ ناظر إلى تعيين المعنى المصطلح عليه عندهم للحكم الشرعي وتحقيق أصل الاصطلاح لا إلى حصر الحكم في التكليفات والعدم. وبالجملة فغرضهم في هذه الكلمات هو المشي على ما عليه ديدنهم من حفظ الحدود عن النقض عكساً وطرداً حتى ينطبق على المحدود تمام الانطباق، ولا نظر لهم إلى الحصر المذكور والعدم، كيف وقد عرفت أن تضمن الخطابات الشرعية للوضعي حسب تضمنها للطلبي مما لا يقبل الانكار فكيف يتعقل نزاع الفحول من المحققين في ذلك بل النزاع في أمر آخر سنشير إليه.
الأمر الثاني: إن الجعل في الشرعيات مساوق للخلق في التكوينيات وإن كان الجعل يطلق على ما في التكوينيات أيضاً كما في قوله تعالى:
[جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] وغير ذلك من الآيات والأخبار، وليس الجعل والخلق إلّا عبارة عن الإنشاء والإيجاد الذي هو من أوصاف المنشيء والموجِد. وهذا الإنشاء والجعل إن تعلق بالتكوينيات والموجودات الخارجية فالتغاير بينه وبين متعلقه حقيقي، والإضافة في مثله تكون لامية فإنشاء زيد وإيجاده مغاير لزيد بالبديهة، وهذا نظير قول القائل: أولدت زيداً، فإنه يفيد تعلق التوليد بزيد والمغايرة بينهما واضحة بديهية، وإن تعلق بالأمور القائمة بالنفس كالطلب والحكم والبيع ونحو ذلك فالإضافة لامية بنحو الحقيقة وتكون بيانه بنحو من المجاز المستحسن