مقتل الحسین علیه السلام - خوارزمی - الصفحة ٨٨ - الجزء الثاني
أعرف اليوم في بني هاشم رجلا هو أرجح منك علما و حلما، و لا أحضر منك فهما و حكما، و لا أبعد منك عن كل سفه و دنس و طيش، و ليس من يتخلق بالخير تخلفا، و يتنحل بالفضل تنحلا، كمن جبله اللّه على الخير جبلا، و قد عرفنا ذلك كله منك قديما و حديثا، شاهدا و غائبا، غير أني قد أحببت زيارتك و الأخذ بالحظ من رؤيتك، فإذا نظرت في كتابي هذا، فاقبل إلي آمنا مطمئنا، أرشدك اللّه أمرك، و غفر لك ذنبك، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.
فلما ورد الكتاب على محمد بن علي بن الحنفية، و قرأه، أقبل على ابنيه جعفر و عبد اللّه أبي هاشم، فاستشارهما في ذلك، فقال له ابنه عبد اللّه: يا أبتي! اتّق اللّه في نفسك، و لا تصر إليه، فإني خائف أن يلحقك بأخيك الحسين، و لا يبالي. فقال له محمد: يا بني! و لكني لا أخاف منه ذلك. و قال له ابنه جعفر: يا أبتي! إنه قد اطمأنك و ألطفك في كتابه إليك، و لا أظنه يكتب إلى أحد من قريش بأن «أرشدك اللّه أمرك، و غفر ذنبك» ، و أنا أرجو أن يكف اللّه شره عنك.
فقال محمد: يا بني إني توكلت على اللّه الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، و كفى باللّه وكيلا، ثم تجهز محمد بن علي، و خرج من المدينة، و سار حتى قدم على يزيد بن معاوية بالشام، فلما استأذن أذن له، و قرّبه و أدناه، و أجلسه معه على سريره، ثم أقبل عليه بوجهه، فقال: يا أبا القاسم! آجرنا اللّه و إياك في أبي عبد اللّه الحسين، فو اللّه، لئن كان نقصك فقد نقصني، و لئن كان أوجعك فقد أوجعني، و لو كنت أنا المتولي لحربه لما قتلته، و لدفعت عنه القتل لو بجز أصابعي، و ذهاب بصري، و لفديته بجميع ما ملكت يدي، و إن كان قد ظلمني، و قطع رحمي،