سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ٤٢٢ - الشيخ البهائي
النواظر و الأسماع،فما من فنّ الاّ و له فيه القدح المعلّى،و المورد العذب المحلّى، إن قال لم يدع قولا لقائل،أو طال لم يأت غيره بطائل،و ما مثله و من تقدّمه من الأفاضل و الأعنان،الاّ كالملّة المحمدية المتأخرة عن الملل و الأديان،جاءت آخرا ففاقت مفاخرا،و كلّ وصف قلت في غيره فانّه تجربة الخاطر.
مولده: بعلبك عند غروب الشمس يوم الأربعاء لثلاث عشر بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث و خمسين و تسعمائة،و انتقل به والده و هو صغير الى الديار العجمية فنشأ في حجره بتلك الأقطار المحميّة،و أخذ عن والده و غيره من الجهابذ،حتى اذعن له كلّ مناضل و منابذ،فلمّا اشتدّ كاهله،و صفت له من العلم مناهله،ولّى بها شيخ الإسلام،و فوّضت إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة و السلام،ثمّ رغب في الفقر و السياحة،و استهبّ من مهابّ التوفيق رياحه،فترك تلك المناصب و مال لما هو بحاله مناسب،فقصد حجّ بيت اللّه الحرام و زيارة النبيّ و أهل بيته الكرام،(عليهم أفضل التحية و السلام)،ثمّ أخذ في السياحة فساح ثلاثين سنة،و أوتي في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة،و اجتمع في اثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل و الحال،و نال من فيض صحبتهم ما تعذّر على غيره و استحال،ثمّ عاد و قطن بأرض العجم،و هناك همى غيث فضله و أنسجم و ألف و صنّف و قرط المسامع و شنف،إلى أن قال:و كانت له دار مشيدة البناء و رحبة الفناء،يلجأ إليه الأيتام و الأرامل،و يفد عليها الراجي و الآمل،فكم مهد بها وضع و كم طفل بها رضع،و هو يقوم بنفقتهم بكرة و عشيّا،و يوسعهم من جاهه جنابا مغشيّا،مع تمسّكه من التقى بالعروة الوثقى،و ايثاره الآخرة على الدنيا،و الآخرة خير و أبقى،و لم يزل آنفا من الانحياش الى السلطان،راغبا في الغربة عازفا عن الأوطان،يؤمّل العود الى السياحة،و يرجو الاقلاع عن تلك المساحة،فلم يقدر له حتّى وافاه حمامه،و ترنّم على أفنان الجنان حمامه.