سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ١٣٥ - باب الدلائل التي ذكرها الشيخ الطبرسيّ رحمه اللّه في«إعلام الورى»على إمامة
تفصيله،و كذلك كانت سبيل أبي الحسن و أبي محمّد العسكريين عليهما السّلام،و انما كانت الرواية عنهما أقلّ لأنهما كانا محبوسين في عسكر السلطان الظالم،ممنوعين من الانبساط في الفتيا و أن يلقاهما كلّ أحد من الناس.
و إذا ثبت بما ذكرناه بينونة أئمّتنا عليهم السّلام بما وصفناه عن جميع الأنام،و لم يكن لأحد أنّ يدّعي أنّهم أخذوا العلم من رجال العامّة،أو تلقّنوه من رواتهم و ثقاتهم لأنّهم لم يروا قطّ مختلفين الى أحد من العلماء في تعلّم شيء من العلوم،و لأنّ ما اثر عنهم من العلوم فانّ أكثره لم يعرف الاّ منهم،و لم يظهر الاّ عنهم،و علمنا انّ هذه العلوم بأسرها قد انتشرت عنهم مع غناهم عن سائر الناس،و تيقّنا زيادتهم في ذلك على كافّتهم،و نقصان جميع العلماء عن رتبتهم،ثبت أنّهم أخذوه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خاصّة،و أنّه قد أفردهم بها ليدلّ على إمامتهم بافتقار الناس اليهم فيما يحتاجون اليه و غناهم عنهم،و ليكونوا مفزعا لأمّته في الدين،و ملجأ لهم في الأحكام، و جروا في هذا التخصيص مجرى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في تخصيص اللّه تعالى بإعلامه أحوال الأمم السالفة و إفهامه ما في الكتب المتقدّمة من غير أن يقرأ كتابا أو يلقى أحدا من أهله.
هذا و قد ثبت في العقول أنّ الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من المفضول،و قد بيّن اللّه سبحانه ذلك بقوله: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ» [١]و قوله: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ» [٢].
و ممّا يدلّ على إمامتهم أيضا إجماع الأمّة على طهارتهم و ظاهر عدالتهم و عدم التعلّق عليهم أو على أحد منهم بشيء يشينهم،مع اجتهاد أعدائهم و ملوك أزمنتهم في الغض منهم و الوضع من أقدارهم و التطلب بعثراتهم،حتى كانوا يقرّبون من يظهر عداوتهم،و يقصون بل يجفون و ينفون و يقتلون من يتحقّق بولايتهم،و هذا
[١] سورة يونس/الآية ٣٥.
[٢] سورة الزمر/الآية ٩.