فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٤ - عفو الحاكم في العقوبات آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
٢ ـ أن يشخّص الحاكم مصلحة في عفو الجاني عن القصاص والانتقال إلى الدية ، فإنّه يمكن أن يقال : بأنّ مقتضى ولايته العامة على الناس في أموالهم وحقوقهم الشخصية ـ إمّا مطلقاً أو فيما يرتبط منها بالمصالح الاجتماعية والنظامية ـ أنّ له الولاية على هذا الحق الخاص أيضاً كولايته على سائر الأموال والنفوس ، فكما يجوز له أخذ الضرائب ووضعها على أموالهم الخاصة أو يجوز له المنع عن بعض التصرّفات وتحديد الحرّيات حسب المصالح التي يشخّصها للحكومة ، كذلك له أن يمنع عن إعمال ولي الدم أو صاحب الحدّ حقّه ؛ لأنّه أولى به منه .
هذا ولكن الإنصاف :أنّه ليس معنى أولوية الحاكم بالأموال والأنفس أنّ له أن يسلب وينفي ثبوت الحق الشرعي عن صاحب الحق ، فإنّ هذا معناه الولاية على الشارع لا الناس ، ودليل الولاية ليس مشرّعاً ، وإنّما معناها أنّ للحاكم أن يأخذ متعلّق الحق من المال ونحوه للنفع العام ، وفي المقام ليس منع الحاكم عن القصاص بمعنى أخذ القصاص ، بل بمعنى نفي الحق والسلطنة التي جعلها الشارع له ، وهذا خارج عن مدلول الولاية .
نعم للحاكم أن يمنع تكليفاً من إعمال ولي الدم لحقّه في القصاص كمنعه عن أي تصرّف آخر يكون من حقوق الأشخاص إذا شخّص مصلحة في ذلك ، وعندئذٍ يحرم على الولي الاقتصاص تكليفاً ؛ لكونه مخالفة للحكم الولايتي ، ولكنّه جائز له وضعاً ؛ بمعنى أنّه لا يكون عليه قصاص لو اقتص من الجاني ؛ لثبوت السلطنة والحق له وإن كان يعزَّر على المخالفة .
وقد يقال :بأنّ من مقتضيات الولاية على من له الحق أن يكون له الولاية على نفس التصرّف الذي كان لصاحب الحق ، وهو العفو عن القصاص ، فيكون لولي الأمر أن يعفو عن قصاص الجاني كما كان لولي الدم ، وليس هذا مستلزماً لمشرّعية دليل الولاية كما لا يخفى ، وبذلك يسقط حق القصاص ، ولا يجوز لوليّ الدم أن يقتصّ حتى وضعاً .