فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٢ - عفو الحاكم في العقوبات آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وقد دلّت عليه جملة من الروايات أصرحها صحيح فضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث « إذا أقرّ على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه ؛ فهذا من حقوق اللّه » (٢).
نعم ، يوجد فرق بين هذا النحو من حقوق اللّه وبين ما يكون من حقوق اللّه محضاً كحدّ الزنا وشرب الخمر ؛ من حيث إنّ السبب والموضوع للقطع في السرقة حيث كان العدوان على حقوق الناس ـ أعني المسروق منه ـ أيضا أمكن له أن يعفو عن السارق أو يهبه المال ، فلا يقام عليه الحدّ . وهذا يعني أنّ حدّ القطع فيه جنبتان ؛ فمن حيث أصل العقوبة حقّ من حقوق اللّه قد جعله على من يعتدي على أموال الآخرين ويسرقها من محرزها ، ولم تجعل عقوبة القطع ملكاً للمسروق منه ، ولكن في نفس الوقت من حيث إنّ موضوع هذا الحدّ هو العدوان على مال الآخرين ، وهو حق تابع لإرادتهم ؛ فلا يمكن أن يثبت هذا العدوان إلاّ في طول عدم رضاه وعفوه عنه ، فمن هذه الناحية يكون من حقوق الناس .
فالحاصل: إنّ إثبات موضوع هذا الحدّ ـ وهو العدوان على الآخرين ـ من حقوق الناس وتابع لإرادتهم ، لا إقامته وإنزاله بالمجرم ، ولازم ذلك وأثره أنّ إثبات موضوع الحدّ يكون حقاً للمسروق منه ، فلا يثبت بالبيّنة الحسبية ، بخلاف ما يكون من حدود اللّه محضاً كالزنا وشرب الخمر ، كما أنّ لازمه أنّه لو عفا عن السارق فلم يرفعه إلى الحاكم كان له ذلك ، فلا يقام عليه الحدّ ، بخلاف ما إذا أقرّ السارق بنفسه عند الحاكم أو رفعه إليه وثبت عنده بالبينة ثم أراد المسروق منه العفو فإنّه لا يمكنه ؛ لأنّ عقوبة القطع ليست ملكاً له ، بل هو من حقوق اللّه ، وهذه مرتبة من الحقّية للناس بين ما هو من حقوق الناس محضاً بحيث يكون منوطاً بمطالبتهم لكونه ملكاً لهم كالقصاص وحدّ الفرية ، وبين ما هو من حقوق اللّه محضاً كحدّ الزنا وشرب الخمر ، وهذا ما يستفاد من روايات عديدة معتبرة ، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه ؟ أو يتركه ؟ فقال : إنّ صفوان بن اُميّة كان
(٢)الوسائل ١٨ : ٣٤٤، ب ٣٢من أبواب مقدمات الحدود ، ح ١.