مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٧٦ - الكلام في المتجزي، وأنه هل يصح له التصدي للقضاء، والعمل بفتواه وهل تكون فتواه حجة على غيره
ولاسيما مع ندرة ذلك في زمان صدور الروايتين لعدم ضبط الروايات، وعدم تيسر الاطلاع على جميعها لأغلب الرواة، فيتعين حملها على معرفة أحكامهم في الجملة، أو بالنحو الذي يحتاجه القضاء، أو يحمل على أن ذكر ذلك لأجل أنه به يحرز المتخاصمان علمه بالمسألة التي هي محل الابتلاء، وليس الشرط إلا علمه بالمسألة التي يرجع إليه فيها.
ولا خصوصية لمعرفة الجميع أو الأكثر، لما هو المرتكز عرفا من أن اعتبار المعرفة لأجل التوصل للحكم، وهو يقتضي توقف الرجوع للشخص في كل مسألة على معرفته بحكمها وإن لم يعرف غيرها، وليس ذكر علمه بالأحكام إلا من حيث كاشفيته عادة عما هو الشرط، فتأمل جيدا.
وأما ثانياً: فلان الأمر بالرجوع للشخص المذكور في الروايتين إنما هو من حيثية نصبه منهم (عليهم السلام) للقضاء، وليس لوجوبه تعيينا، ليكون ظاهرهما عدم الاجتزاء بغيره، وحينئذ فهو لا ينافي جواز الرجوع للعالم ببعض الأحكام أيضا بعد استفادة نصبه من رواية أبي خديجة الأخرى: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق: (إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا [قضائنا] فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه).
والظاهر اعتبار سند الرواية، لرواية الصدوق لها بسنده عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، وسنده إلى أحمد بن عائذ صحيح، ورواية الكليني والشيخ لها بطريق لا يخلو عن اعتبار، بل الظاهر صحته. وأما أبو خديجة نفسه، فالظاهر أنه صحيح أيضا.
وأما دلالتها فهي كالصريحة في الاكتفاء بمعرفة الأحكام، وحمل قوله (عليه السلام):
(شيئاً)
على خصوص ملكة الاجتهاد المطلق مستهجن جدا، بل يقطع بعدم إرادته، لعدم الالتفات للملكة في عصر صدور الرواية. وكذا حمل (من) فيها على البيانية، فإن ظهورها في التبعيض لا يدفع.
ومثله دعوى أن معرفة بعض الأحكام لا يصدق عليها المعرفة بشي من