السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ١٣٢ - باب الجنابة و أحكامها و كيفية الطهارة منها
الخصم بأنّه لا يتم الواجب إلا به، و قد أريناه انّه يتم الواجب من دونه و بغيره، و لو لا انّ معرفة القديم سبحانه لا طريق لنا إليها إلا بالنظر في الأدلة، لما وجب علينا و لا تعيّن، و لو كان لنا طريق سواه لما وجب تعيينا و تحتم.
فإن قيل: أ ليس الأمر بمجرده عندكم في عرف الشرع يقتضي الوجوب دون الندب، و الفور دون التراخي؟ قلنا: بلى.
قال: فقد قال سبحانه «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» و هذا أمر للجنب بالتطهير متى كان جنبا بغير خلاف، فغسل الجنابة واجب بهذا الأمر؟
قلنا: هذه الآية الثانية التي هي معطوفة على الآية الأوّلة، و هي قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» [١] فأمرنا أن نكون غاسلين و ماسحين إذا أردنا القيام إلى الصلاة، و قبل دخول وقت الصلاة لا يجب علينا القيام إليها، و لا الغسل لها، فلمّا عرّفنا سبحانه حكم الطهارة الصّغرى، عطف عليها حكم الطهارة الكبرى و هي غسل الجنابة، و هو إذا أردنا القيام إلى الصلاة بعد دخول وقتها يجب علينا الاغتسال، و هذا مذهبنا بعينه.
فإن قال: هما جملتان لكلّ واحدة منهما حكم نفسها؟
قلنا: صحيح انهما جملتان، إلا انّ الجملة الثانية معطوفة على الجملة الأولة بواو العطف، بلا خلاف عند أهل اللسان و المحصّلين لهذا الشّأن، و المعطوف عندهم له حكم المعطوف عليه و يتنزّل منزلته، و يشاركه في أحكامه بغير خلاف، لأنّ واو العطف عندهم تنوب و تقوم مقام الفعل، فاستغنوا بها عن تكرره اختصارا للكلام، و إيجازا و بلاغة.
فإن ظن ظان و توهم متوهم، انّ السيد المرتضى (رحمه الله) قد ذكر في
[١] المائدة: ٦.