السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٥٠٣ - باب في ذكر الأنفال و من يستحقها
الثقة و الديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان (عليه السلام). و هذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم، لأنّ الخمس حقّ واجب، لغائب لم يرسم قبل غيبته رسما يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه، إلى وقت إيابه، أو التمكن من إيصاله إليه، أو وجود من انتقل بالحق إليه، و جرى أيضا مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند عدمه سقوطها، و لا يحل التصرف فيها، على حسب التصرف في الأملاك، و يجب حفظها بالنفس، و الوصيّة بها إلى من يقوم بإيصالها إلى مستحقها، من أهل الزكاة من الأصناف، و إن ذهب ذاهب إلى صنع ما وصفناه، في شطر الخمس الذي هو حق خالص للإمام (عليه السلام)، و جعل الشطر الآخر في يتامى آل الرسول (عليهم السلام)، و أبناء سبيلهم، و مساكينهم، على ما جاء في القرآن، لم تبعد إصابته الحقّ في ذلك، بل كان على صواب، و انّما اختلف أصحابنا في هذا الباب، لعدم ما يلجأ إليه فيه من صريح الألفاظ، و انّما عدم ذلك لموضع تغليظ المحنة، مع إقامة الدليل بمقتضى العقل و الأثر، من لزوم الأصول في حظر التصرف في غير المملوك، إلا بإذن المالك، و حفظ الودائع لأهلها ورد الحقوق [١] هذا آخر قول شيخنا المفيد (رحمه الله) في مقنعته.
قال محمّد بن إدريس (رحمه الله): و هذا الشيخ المفيد جليل القدر، مقتدى بأقواله، و فتاويه، انتهت رئاسة الشيعة الإمامية في عصره و زمانه إليه، على ما حكاه شيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) عنه، و هو صاحب النظر الثاقب، و المناظرات في الإمامة، و المقالات المستخرجة التي لم تسبق إليها، فانظر أرشدك اللّه تعالى إلى قوله: «و انّما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه فيه من صريح الألفاظ» فلو كان فيه نص صريح، و أخبار متواترة، ما جاز له أن
[١] المقنعة: كتاب الخمس، باب الزيادات في باب الأنفال(ص)٢٨٧.