السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ١٣٤ - باب الجنابة و أحكامها و كيفية الطهارة منها
ما رواه فلان عن فلان، و أورد أخبارا عدة، من طرق الخاصة و العامة و طوّل في الإيراد نحوا من صفحة، ثم بعد ذلك قال من طريق الاستدلال: و قد سأل بعض أصحابنا الماضين (رحمهم اللّه) نفسه في هذا المعنى فقال: إن قال قائل ما معنى وضعكم الجريدة مع الميّت في أكفانه، ثم قال: قيل له: ما معنى الدور حول البيت، و تقبيل الحجر، و حلق الرأس، و رمي الجمار؟ فكل ما أجاب به في ذلك فهو جوابنا بعينه في الجريدة. ثم قيل له: إنّ الذي تعبّدنا بغسل الميت، و تكفينه، هو الذي تعبدنا بوضع الجريدة و الحنوط معه في أكفانه و لا معنى له غيره، و إلا فلأي معنى أوجب اللّه تعالى غسل الميت و قد مات و سقطت الفرائض عنه، و الطهارة انما تجب لأداء الفرائض؟ قال السيد المرتضى (رحمه الله):
و هذا كلام سديد في موضعه.
ألا ترى انّ السيد (رحمه الله) قد أورد هذا الكلام عن أصحابه إيراد راض به متعجبا منه، و نكتة ذلك و المقصود و المراد، بقوله: الطهارة إنما تراد لأداء الفرائض، فغسل الجنابة طهارة بلا خلاف، فلا يجب إلا لأداء الفرائض.
ثم قال السيد متمما للمسألة: و ليس يجب أن يعرف علل العبادات على التعيين، و إن كنا على سبيل الجملة نعلم انّها إنّما وجبت أو ندب إليها للمصالح الدينيّة، و إن كان المخالف يخالف في ورود العبادة بالجريدة فما تقدّم ممّا ذكرناه و غيره ممّا لم نذكره الأخبار الكثيرة المتظاهرة حجة فيه، و إن طالب بعلّة معينة، فلا وجه لمطالبته بذلك، لأن العبادات لا يعرف عللها بعينها.
و ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطة قال: و إن ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة، أو قعد تحت المجرى، أو وقف تحت المطر أجزأه، و يسقط الترتيب في هذه الموضع، و في أصحابنا من قال: يترتب حكما [١] هذا آخر كلامه.
[١] المبسوط: فصل في ذكر غسل الجنابة و أحكامها.