التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٣٣٧
إلى مكان يناسبه ، وإلاّ فهو كرامة للميت واحترام له لدى العرف ، فيختلف ذلك باختلاف ما يقصد من النقل عرفاً ، فاذا كان المقصود به هو الدّفن في الأمكنة الشريفة له فلا يعد عرفاً هتكاً بل هو نوع احترام وتجليل له ، ولا سيما إذا لم تظهر رائحته إلى الخارج ، فانّ الميِّت ينتن لا محالة إما تحت الأرض أو فوقها .
الثاني : أن الحكمة في الأمر بدفن الميِّت إنما هي عدم انتشار رائحته خارج القبر فالنقل المستلزم لانتشار رائحته مناف للحكمة الداعية إلى الأمر به وهو أمر غير جائز .
والجواب عنه : أن الحكمة في الأمر بالدّفن وإن كانت تلك إلاّ أن الكلام في تلك الحكمة هل هي علة تامة لوجوب الدّفن أو أنها حكمة من الحكم النوعية التي تدعو إلى جعل الوجوب ؟
ولا ينبغي توهم كونها العلة التامة لوجوب الدّفن ، وإلاّ لزم الالتزام بعدم وجوب الدّفن فيما إذا أمكن إبقاء الميِّت في الخارج على نحو لا يطرأ عليه النتن والفساد كما في زماننا هذا ، بل في الأزمنة المتقدِّمة أيضاً حيث كانوا يحفظون الميِّت بالدواء من غير أن يفسد أو ينتن ، وكذا فيما إذا كانت الأرض على وجه لا تمنع عن انتشار رائحة الميِّت بدفنه ، مع أنّ الدّفن واجب في كلتا الصورتين من غير نكير .
وهذا يدلنا على أن عدم انتشار الرائحة حكمة نوعية داعية إلى جعل وجوب الدّفن ، وبما أنه مطلق حيث لم يقيد بما إذا انتشرت رائحة الميِّت وتغير أم لم تنتشر ولم يتغير فلا بدّ من الالتزام بوجوب الدّفن في كلتا الصورتين .
الثالث : أن تأخير الدّفن عن الغسل والصلاة والتجهيز إذا كان مستلزماً لطروء الفساد على الميِّت أمر غير جائز ، فانه لا بدّ حينئذ من تقديم الدّفن من غير غسل ثم يصلّى على قبره ، فاذا لم يجز التأخير المسـتلزم لطروء الفساد بالإضافة إلى الواجب كالغسل والصلاة فلا يجوز تأخيره بالإضافة إلى الأمر المستحب وهو النقل إلى المشاهد المشرفة بطريق أولى .