تحرير الأصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٢٣٨ - «فى ترتب المثوبة و العقوبة على موافقة الوجوبات الغيرية و مخالفتها»
قلت: ليس فى الآية الشريفة دلالة على اشتراك العبادات فى غرض وحدانى هى المعرفة، اذ لم تجعل المعرفة غرضا باعثا للامر بالعبادات، بل جعلت غرضا باعثا لخلق الانس و الجن و هو امر آخر غير امرهم بالعبادات.
و لئن سلم انها غاية و غرض للاوامر العبادية، لكن لا نسلم دلالة الآية الشريفة الا على ان المعرفة فى الجملة غرض باعث على التكليف بالعبادات، و حينئذ فمن الجائز ان يكون كل مرتبة من المعرفة غرضا باعثا على كل واحد من تلك التكاليف فيكون الغرض من التكليف بالوضوء مثلا مرتبة من المعرفة غير المرتبة التى هى غرض من التكليف بالصلاة، و حينئذ يكون للعبادات اغراض عديدة تشترك فى جامع المعرفة او تكميل النفس او غير ذلك، فلو فرض ترك العبادات بأجمعها كانت هناك عقوبات متعددة بحسب تعدد ما ترك من العبادات.
و الحاصل ان الوجدان شاهد صدق على دوران العقوبة وجودا و عدما مدار تحصيل الغرض و عدم تحصيله، كما ان وحدتها و تعددها دائر ان مدار وحدة الغرض و تعدده، فأنظر الى العبد اذا امر بإتيان الماء و كان يعلم بتضرر المولى لو شرب من ذلك الماء لكونه مسموما، لم يجز له الاتيان بذلك الماء و لو جاء به استحق العقوبة بذلك، و ان كان مأمورا بسقى المولى من ذلك الماء من باب الخطاء و الاشتباه بتخيل المولى ان ذلك الماء يرفع عطشه.
و كذا اذا اتفق غفلة المولى عن اضطرام النار و كان ولده فى معرض الاحتراق فيها، فانه يجب على العبد حفظ ولد المولى عن الاحتراق و ان لم يكن مأمورا و مخاطبا بحفظه عنها، فان مثل هذا مما يدل على اناطة الثواب و العقاب بموافقة الغرض و مخالفته لا بموافقة الارادة و عدم موافقتها، إلّا اذا كان تحقق الارادة من المولى ملازما