تحرير الأصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٤٥٧ - «فى دوران الامر بين التخصيص و النسخ»
المتكلم الى مخاطبه كلاما، لم يكن له فيه اذعان و تصديق بمقتضاه، و انما غرضه تصديق المخاطب به، كما يكون ذلك فى الاخبار الكاذبة، فإن صدرت ممن لا يجوز عليه الكذب القبيح، كان ذلك اخبارا بخلاف الواقع، لمصلحة من تقية او امتحان، او غير ذلك، و منه الاخبار المحمولة على التقية، و يسمى ذلك عندهم بالتصرف فى الجهة، فإن ظاهر المتكلم فى كلامه ان يكون بصدد بيان الواقع لا خلافه، فإذا ظهر من قرينة انه قد اخبر المخاطب بخلاف الواقع، لم يكن قد ارتكب المجازية فى كلامه، لان كلامه ذلك لم يجز عن محله الذى وضعت له الفاظه، و انما وقع التصرف فى جهة الكلام، و ما توجه اليه من بيان الواقع الذى يقتضيه ظاهر حال المتكلم، و مثل هذا لا يكون مستهجنا فى الانظار، و منه النسخ، و الشاهد على كونه من هذا القبيل، مادريت من عدم استهجان النسخ فى نظر العقل و العقلاء، و لو كان الخارج بالنسخ من بقية الازمنة اكثر من الداخل.
و ربما يذكر الكلام بقصد اعلام المخاطب، بمعتقد المتكلم، غاية ما فى الباب ان كان معتقده مطابقا للواقع كان صدقا و اخبارا يقينيا. و ان كان مخالفا له كان كذبا و جهلا مركبا.
و بعد هذا نقول: اذا دار الامر بين التخصيص و النسخ، كان ذلك راجعا الى دوران الامر بين التصرف فى الدلالة او التصرف فى الجهة، فاللازم ان يبحث عن ان اى التصرفين يكون مقدما على الآخر عند الترديد؟ و المعروف تقديم التصرف فى الدلالة على التصرف فى الجهة، بل هذا متسالم عليه فيما بينهم لا يكاد يظهر منهم مخالف فيه، و ان اختلفوا فى وجهه، من كون التخصيص اشيع من النسخ، لكنك قد عرفت ان ذلك يبتنى على مبنى غير مسلم عندنا، فمن ثم عدل بعضهم عن هذا الوجه الى وجه آخر و قال: ان اصالة الجهة