تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٣٥ - ذكر خبر المحنة بالقرآن
و آجلتهم، و يتذكروا ما الله مرصد من مساءلتهم عما حملوه، و مجازاتهم بما اسلفوه و قدموا عنده، و ما توفيق امير المؤمنين الا بالله وحده، و حسبه الله و كفى به و مما بينه امير المؤمنين برؤيته، و طالعه بفكره، فتبين عظيم خطره، و جليل ما يرجع في الدين من و كفه و ضرره، ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذى جعله الله اماما لهم، و أثرا من رسول الله(ص)و صفيه محمد(ص)باقيا لهم، و اشتباهه على كثير منهم، حتى حسن عندهم، و تزين في عقولهم الا يكون مخلوقا، فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذى بان به عن خلقه، و تفرد بجلالته، من ابتداع الأشياء كلها بحكمته و انشائها بقدرته، و التقدم عليها باوليته التي لا يبلغ أولاها، و لا يدرك مداها، و كان كل شيء دونه خلقا من خلقه، و حدثا هو المحدث له، و ان كان القرآن ناطقا به و دالا عليه، و قاطعا للاختلاف فيه، و ضاهوا به قول النصارى في دعائهم في عيسى بن مريم: انه ليس بمخلوق، إذ كان كلمه الله، و الله عز و جل يقول: «إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا»، و تاويل ذلك انا خلقناه كما قال جل جلاله: «وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها» و قال: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً»، «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ» فسوى عز و جل بين القرآن و بين هذه الخلائق التي ذكرها في شية الصنعه، و اخبر انه جاعله وحده، فقال: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ»، فدل ذلك على احاطه اللوح بالقرآن، و لا يحاط الا بمخلوق، و قال لنبيه ص: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» و قال: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ»،