تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٠٣ - شخوص على بن عيسى الى حرب المأمون
الروية تبيان الرأي، و في اعمال الرأي نصح الاعتزام، و الأمر الذى دعانى اليه امير المؤمنين امر لا أتأخر عنه تثبطا و مدافعه، و لا اتقدم عليه اعتسافا و عجله، و انا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه، شديد شوكته، و ان اهملت امره لم آمن دخول الضرر و المكروه على الجنود و الرعية، و ان اقمت لم آمن فوت ما أحب من معونه امير المؤمنين و موازرته، و ايثار طاعته، فانصرفوا حتى انظر في امرى، و نصح الرأي فيما اعتزم عليه من مسيرى ان شاء الله ثم امر بانزالهم و اكرامهم و الاحسان اليهم.
فذكر سفيان بن محمد ان المأمون لما قرأ الكتاب اسقط في يده، و تعاظمه ما ورد عليه منه، و لم يدر ما يرد عليه، فدعا الفضل بن سهل، فاقراه الكتاب، و قال: ما عندك في هذا الأمر؟ قال: ارى ان تتمسك بموضعك، و لا تجعل عليك سبيلا، و أنت تجد من ذلك بدا قال: و كيف يمكنني التمسك بموضعي و مخالفه محمد، و عظم القواد و الجنود معه، و اكثر الأموال و الخزائن قد صارت اليه، مع ما قد فرق في اهل بغداد من صلاته و فوائده! و انما الناس مائلون مع الدراهم، منقادون لها، لا ينظرون إذا وجدوها حفظ بيعه، و لا يرغبون في وفاء عهد و لا امانه فقال له الفضل: إذا وقعت التهمه حق الاحتراس، و انا الغدر محمد متخوف، و من شرهه الى ما في يديك مشفق، و لان تكون في جندك و عزك مقيما بين ظهراني اهل ولايتك احرى، فان دهمك منه امر جردت له و ناجزته و كايدته، فاما أعطاك الله الظفر عليه بوفائك و نيتك، او كانت الاخرى فمت محافظا مكرما، غير ملق بيديك، و لا ممكن عدوك من الاحتكام في نفسك و دمك قال: ان هذا الأمر لو كان أتاني و انا في قوه من امرى، و صلاح من الأمور، كان خطبه يسيرا، و الاحتيال في دفعه ممكنا، و لكنه أتاني بعد افساد خراسان و اضطراب عامرها و غامرها، و مفارقه جبغويه الطاعة، و التواء خاقان صاحب التبت، و تهيؤ ملك كابل للغارة على ما يليه من بلاد خراسان، و امتناع ملك ابراز بنده بالضريبة التي كان يؤديها، و ما لي بواحده من هذه الأمور يد، و انا اعلم ان محمدا لم يطلب قدومى