تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٩٣ - ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة
يحيى في منزل ابن نوح صاحب الطراز، و نزل محمد بن خالد مع المأمون بالعمر مع الرشيد، قال: و خلا الرشيد بالفضل ليلا، ثم خلع عليه و قلده، و امره ان ينصرف مع محمد الامين، و دعا بموسى بن يحيى فرضى عنه و كان غضب عليه بالحيرة في بدأته، لان على بن عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد في امر خراسان و اعلمه طاعه أهلها له، و محبتهم اياه، و انه يكاتبهم و يعمل على الانسلال اليهم و الوثوب به معهم، فوقر ذلك في نفس الرشيد عليه و اوحشه منه، و كان موسى احد الفرسان الشجعان، فلما قدح على بن عيسى فيه اسرع ذلك في الرشيد، و عمل فيه القليل منه، ثم ركب موسى دين، و اختفى من غرمائه، فتوهم الرشيد انه صار الى خراسان، كما قيل له، فلما صار الى الحيرة في هذه الحجه وافاه موسى من بغداد، فحبسه الرشيد عند العباس بن موسى بالكوفه، فكان ذلك أول ثلمه ثلموا بها، فركبت أم الفضل بن يحيى في امره، و لم يكن يردها في شيء، فقال: يضمنه أبوه فقد رفع الى فيه، فضمنه يحيى و دفعه اليه، ثم رضى عنه، و خلع عليه، و كان الرشيد قد عتب على الفضل ابن يحيى، و ثقل مكانه عليه لتركه الشرب معه، فكان الفضل يقول: لو علمت ان الماء ينقص من مروءتى ما شربته، و كان مشغوفا بالسماع قال:
و كان جعفر يدخل في منادمه الرشيد، حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته، و يأمره بترك الانس به، فيترك امر ابيه، و يدخل معه فيما يدعوه اليه و ذكر عن سعيد بن هريم ان يحيى كتب الى جعفر حين أعيته حيلته فيه: انى انما اهملتك ليعثر الزمان بك عثره تعرف بها امرك، و ان كنت لأخشى ان تكون التي لا شوى لها قال: و قد كان يحيى قال للرشيد:
يا امير المؤمنين، انا و الله اكره مداخله جعفر معك، و لست آمن ان ترجع العاقبه في ذلك على منك، فلو اعفيته و اقتصرت به على ما يتولاه من جسيم اعمالك، كان ذلك واقعا بموافقتى، و آمن لك على قال الرشيد: يا أبت ليس بك هذا، و لكنك انما تريد ان تقدم عليه الفضل