تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٠٦ - ذكر الخبر عن وصاياه
الله به في محكم القرآن و احكم بالعدل و لا تشطط، فان ذلك اقطع للشغب، و احسم للعدو، و انجع في الدواء و عف عن الفيء، فليس بك اليه حاجه مع ما اخلفه لك، و افتتح عملك بصله الرحم و بر القرابة و إياك و الأثرة و التبذير لاموال الرعية و اشحن الثغور، و اضبط الاطراف، و امن السبل، و خص الواسطه، و وسع المعاش، و سكن العامه، و ادخل المرافق عليهم، و اصرف المكاره عنهم، و اعد الأموال و اخزنها و إياك و التبذير، فان النوائب غير مأمونة، و الحوادث غير مضمونه، و هي من شيم الزمان و اعد الرجال و الكراع و الجند ما استطعت و إياك و تاخير عمل اليوم الى غد، فتتدارك عليك الأمور و تضيع جد في احكام الأمور النازلات لأوقاتها أولا فأولا، و اجتهد و شمر فيها، و اعدد رجالا بالليل لمعرفه ما يكون بالنهار، و رجالا بالنهار لمعرفه ما يكون بالليل و باشر الأمور بنفسك، و لا تضجر و لا تكسل و لا تفشل، و استعمل حسن الظن بربك، و أسيء الظن بعمالك و كتابك.
و خذ نفسك بالتيقظ، و تفقد من يبيت على بابك، و سهل اذنك للناس، و انظر في امر النزاع إليك، و وكل بهم عينا غير نائمة، و نفسا غير لاهيه، و لا تنم فان اباك لم ينم منذ ولى الخلافه، و لا دخل عينه غمض الا و قلبه مستيقظ هذه وصيتي إليك، و الله خليفتي عليك.
قال: ثم ودعه و بكى كل واحد منهما الى صاحبه.
و ذكر عمر بن شبه عن سعيد بن هريم، قال: لما حج المنصور في السنه التي توفى فيها شيعه المهدى، فقال: يا بنى، انى قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفه قبلي، و جمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفه قبلي، و بنيت لك مدينه لم يكن في الاسلام مثلها، و لست اخاف عليك الا احد رجلين: عيسى بن موسى، و عيسى بن زيد، فاما عيسى بن موسى