الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٦ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
ولقائل أن يقول : ظاهر ذلك للمنع من تعجيل نفس القرآن ، لا بيان ما هو المراد منه ، لما فيه من الاضمار المخالف للأصل ، وإنما منعه من تعجيل القرآن أي من تعجيل أدائه عقيب سماعه ، حتى لا يختلط عليه السماع بالأداء ، وإلا فلو أراد به البيان ، لما منعه عنه بالنهي للاتفاق على أن تعجيل البيان بعد الأداء غير منهي عنه .
الحجة الرابعة : أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معينة غير منكرة بقوله تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) * ( ٢ ) البقرة : ٦٧ ) ولم يعينها إلا بعد سؤالهم . ودليل كون المأمور به معينا أمران : الأول أنهم سألوا تعيينها بقولهم له : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ( ٢ ) البقرة : ٦٨ ) * ( وما لونها ) * ( ٢ ) البقرة : ٦٩ ) ولو كانت منكرة ، لما احتيج إلى ذلك للخروج عن العهدة بأي بقرة كانت الثاني أن قوله تعالى : * ( إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ) * ( ٢ ) البقرة : ٦٨ ) ، و * ( إنها بقرة صفراء ) * ( ٢ ) البقرة : ٦٩ ) ، و * ( إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ) * ( ٢ ) البقرة : ٧١ ) والضمير في هذه جميع الكنايات ( ١ ) يجب صرفه إلى ما أمروا به أولا .
وبيانه من وجهين : الأول أنه لو لم يكن كذلك ، لكان تكليفا بأمور مجددة غير ما أمروا به أولا ، ولو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر أولا ، وهو خلاف الاجماع على أن المأمور به كان متصفا بجميع الصفات المذكورة .
الثاني أنه لو لم يكن كذلك للزم منه أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال ، وهو خلاف الأصل .
ولقائل أن يقول : لا نسلم أن البقرة المأمور بها كانت معينة في نفس الامر ، بل منكرة مطلقا ، فلا تكون محتاجة إلى البيان لامكان الخروج عن العهدة بذبح أي بقرة اتفقت ، ولا يكون ذلك من صور النزاع .
قولهم إنهم سألوا عن تعيينها ، ولو أمروا بمنكر ، لما سألوا عن تعيينه .
١ - في هذه جميع - فيه تحريف والصواب في جميع هذه .