الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٧ - المسلك الثالث ما يدل على العلة بالتنبيه والايماء
من آحاد العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى ونزول الوحي عليه وتشريع الاحكام ، أولى . وإذا عرف ذلك ، فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة له .
وهذا القسم على أصناف . وذلك ، لان الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير سؤال أو بعد السؤال . فإن كان من غير سؤال ، فهو الصنف الأول ، وذلك كما في حديث ابن مسعود ليلة الجن ، حيث توضأ ، عليه السلام ، بماء كان قد نبذ فيه تميرات لاجتناب ملوحته ، فقال ثمرة طيبة وماء طهور ( ١ ) فإنه يدل على جواز الوضوء به . وإلا كان ذكره ضائعا . لكون ما ذكر ظاهرا غير محتاج إلى بيان .
وان كان مع السؤال ، فلا يخلو إما أن يذكر ذلك الوصف في محل السؤال أو في غيره فإن كان في محل السؤال ، فهو الصنف الثاني ، وذلك كما روي عنه عليه السلام ، أنه سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا : نعم . فقال : فلا إذا ( ٢ ) فهذا وإن فهم منه أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر من ترتيبه الحكم على الوصف بالفاء واقترانه بحرف ( إذا ) وهي من صيغ التعليل ، غير أنا لو قدرنا انتفاء هذين لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله نظرا إلى أنه لو لم يقدر التعليل به ، لكان ذكره والاستفسار عنه غير مفيد .
وإن كان في غير محل السؤال ، وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل السؤال ، فهو الصنف الثالث . وذلك كما روي عنه ، عليه السلام ، أنه لما
١ - جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة في السنن من طريق عبد الله بن مسعود ان النبي ( ص ) قال له ليلة الجن ، عندك طهور ، قال لا ، إلا شئ من نبيذ في إداوة قال ( ص ) تمرة طيبة وماء طهور ) زاد الترمذي فتوضأ منه وفي سنده أبو زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول ، وفي سنده أيضا أبو فزارة ولا يدرى من هو ، واعل أيضا بالاختلاف في حضور ابن مسعود ليلة الجن . ٢ - تقدم الكلام عليه تعليقا ص ٢٣٧ ج ٢ / انظر تفصيل الكلام عليه في نصب الراية .