الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٦ - المسلك الثالث ما يدل على العلة بالتنبيه والايماء
لا أنه ذكره ابتداء منه لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير البيان عن وقت الحاجة ، وكل ذلك وإن كان ممكنا ، إلا أنه على خلاف الظاهر . وإذا كان ذلك جوابا عن سؤاله ، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدرا في الجواب في كلام المجيب ، فيصير كأنه قال : واقعت فكفر .
وقد عرف أن الوصف إذا رتب الحكم عليه في كلام الشارع بفاء التعقيب تحقيقا ، فإنه يكون علة ، فكذلك إذا كان الحكم مرتبا عليه بفاء التعقيب تقديرا .
ولهذا كان هذا القسم ملحقا بالقسم الذي قبله ، وإن كان دونه في الظهور والدلالة ، لكون ( الفاء ) فيه مقدرة ، وفي الأول محققة ، ولاحتمال أن يكون قد بدأ به لا عن قصد الجواب ، وذلك ، كما لو قال العبد لسيده : قد طلعت الشمس أو غربت . فقال له : اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله ، ولا التعليل ، بل هو أمر له ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية إما لذهوله عن السؤال أو لعدم الالتفات إليه لعدم تعلق الغرض به ، غير أن هذا الاحتمال ، وإن كان منقدحا ها هنا ، فهو بعيد في حق النبي ، عليه السلام ، فيما فرض السؤال عنه إذ الغالب عدم الذهول ، وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة ، مع كونه خلاف الظاهر .
القسم الثالث : أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة ، ومنصب الشارع مما ينزه عنه : وذلك ، لان الوصف المذكور إما أن يكون مذكورا مع الحكم في كلام الله تعالى ، أو كلام رسوله .
فإن كان في كلام الله تعالى ، وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به ، فذكره لا يكون مفيدا ، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا ، نفيا لما لا يليق بكلامه عنه .
وإن كان ذلك في كلام رسوله ، فلا يخفى أن الأصل إنما هو انتفاء العبث عن العاقل في فعله وكلامه ، ونسبة ما لا فائدة فيه إليه ، لكونه عارفا بوجوه المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه . وإذا كان ذلك هو الظاهر