الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٥ - المسلك الثالث ما يدل على العلة بالتنبيه والايماء
لان ( الفاء ) في اللغة قد ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق .
وقد ترد بمعنى ( ثم ) في إرادة التأخير مع المهلة ، كما سبق تعريفه . غير أنها ظاهرة في التعقيب ، بعيدة فيما سواه .
وهذه الرتب متفاوتة ، فأعلاها ما ورد في كلام الله تعالى ، ثم ما ورد في كلام رسوله ، ثم ما ورد في كلام الراوي .
وسواء كان فقهيا أو لم يكن ، لكنه إن كان فقيها كان الظن بقوله أظهر ، وإذا لم يكن فقيها ، وإن كان في أدنى الرتب ، غير أنه مغلب على الظن ، لأنه إذا قال سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد ، فالظاهر من حاله مع كونه متدينا عالما بكون ( الفاء ) موضوعة للتعقيب ، أنه لو لم يفهم أن السهو سبب للسجود ، وإلا لما رتب السجود بالفاء ، لما فيه من التلبيس بنقل ما يفهم منه السببية ، ولا يكون سببا ، بل ولما كان تعليقه للسجود بالسهو أولى من غيره . القسم الثاني : ما لو حدثت واقعة ، فرفعت إلى النبي عليه السلام ، فحكم عقيبها بحكم ، فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم .
وذلك كما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : هلكت وأهلكت .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ماذا صنعت ؟ فقال واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا . فقال له ، عليه السلام : أعتق رقبة ( ١ ) . فإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق .
وذلك لأنا نعلم أن الأعرابي إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، عن واقعته لبيان حكمها شرعا ، وأن النبي عليه السلام ، إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له ،
١ - يشير إلى ما رواه الجماعة من طريق أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي ( ص ) فقال هلكت يا رسول الله قال ، وما أهلكك قال : وقعت على امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا ، قال ثم جلس قال فأتى النبي ( ص ) بعرق فيه تمر قال تصدق بهذا ، قال فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا ، فضحك النبي ( ص ) حتى بدت نواجذه وقال اذهب فأطعمه أهلك ، وقد روى الحديث من طريق بألفاظ متقاربة .