الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - نقد العقل للإحساس
ونستطيع تحديد هذا المناخ بالقول: إن الجهل والغفلة البشرية قد تطبع على عقل الإنسان بحيث لا يُوجِّه إحساسه إلى أقرب الأشياء إليه ليعرف من خلاله الحقيقة، ولا يرضى تجربة ما سواه.
ولذلك، فإن الإسلام يوجب على المؤمن أن يظل منفتح الذهنية أبدًا ولا يسارع بالنفي عند سماع كل شيء جديد، وأنكر على أولئك الذين يرفضون الاعتراف بالفكرة لمجرد أنهم لم يجربوها من قبل. قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحيطُوا بِعِلْمِهِ [١].
٢- والذين يحملون أوزارًا فكريةً معينةً، لا ينظرون إلَّا من زاوية قناعاتهم الخاصة؛ ولهذا فإن تجاربهم تبدو ناقصة وغير مفيدة لأنها تفسر بعض الحقيقة فقط.
فمثلًا: الذي يحمل عقيدة معينة بشأن شخصية تاريخية أو حدث تاريخي، فإنه يحاول دراسة الكتب التي تؤيد وجهة نظره دون الكتب المخالفة لها .. ولذلك تصبح معلوماته ناقصة حتى حول عقيدته الخاصة؛ لأنه لا يدرسها إلَّا في حدود معينة وبترسبات سابقة. ومن هنا نكتشف أن العقل ضروري لتوجيه الحس إلى الإحاطة بالشيء، والتثبت من التجربة دون الحكم على الموضوع بسرعة وقبل اكتمال تجربته وتعميمها على جميع الحالات التي قد يكون لتغيرها نوع من التأثير في صحة التجربة.
وقد سبق القول منا بأن رأس العقل هو التثبت؛ ذلك لأن الإنسان جُبِلَ على الثقة الساذجة بنفسه، بحيث يصعب عليه الاعتراف بجهله، ولئن اعترف فإنه سرعان ما يعود فيدَّعي العلم.
والعقل المضيء هو الذي يحكم على الذات بأنها جاهلة، ويكشف لها عن جهلها؛ فتضطر إلى البحث عن المعرفة. وهنا فقط تتجرد عن ضلالتها السابقة وتبدأ تجرب الحقائق بروح موضوعية.
وهذا هو الشرط الثاني الذي يوفره العقل للحس حتى يكون موضوعيًّا. وقد أوحت بهذا الأمر آية قرآنية كريمة حين قالت: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [٢]. والملاحظ في هذه الآية ربط الإحساس بالمسؤولية التامة،
[١] سورة يونس: آية: ٣٩.
[٢] سورة الأسراء: آية: ٣٦.