الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٠ - نقد العقل للإحساس
لكيلا يتسارع الإنسان في الحكم دون تثبُّت كامل وإحاطة تامة بمحتملاته. ولقد عبرت الآية بكلمة: وَلا تَقْفُ الدالة على أن البشر يجب أن يقسم الأمور أمامه إلى خطوات، فلا يخطو خطوة إلى الأمام إلَّا إذا قاده العلم الذي لا ريب فيه إليها، ولا يكون متسرعًا، فيعترف كليًّا أو يرفض كليًّا!!.
٣- إننا بسرعة نكوّن مفهومًا خاصًّا وواحدًا عن التفاحة، مع أن العملية بحاجة إلى معارف عقلية مسبقة تجمع شتات الأحاسيس وتقول لنا: إن الرؤية التي نقلت إلينا حجم التفاحة ولونها، وأن اللمس الذي عَرّفنا وزنها وملاستها، وأن الذوق أو الشم الذي عرفنا الطعم والرائحة .. كل هذه الأحاسيس إنما هي تعبير عن شيء واحد هي (التفاحة).
إن هذه الوحدة النظرية لم نستطع الحصول عليها دون وجود العقل الذي لم يكشف لنا عن وحدة السبب فحسب، بل وأيضًا كشف عن أن كل عرض (اللون، الطعم، الرائحة و .. و ..)، لا يطرأ إلَّا على شيء ما (هو الذات). وأن لذات الشيء علاقة بعرضه وبالتالي يكشف لنا عن حقيقة التفاحة.
إن التفاحة ليست- لدى علمنا- مجموعة صور من الأحاسيس المتفرقة كما شاءت بعض الفلسفات الحسية أن تتصورها، بل هي حقيقة واحدة متكاملة، ذات خصائص متصورة. ومعرفتنا بهذه الوحدة إنما هي بسبب نوع من المقارنة الإيجابية تكشف عن وحدة الأحاسيس.
هذه بعض الشروط التمهيدية للتجربة الحسية يوفرها العقل.
المقارنة وسيلة العقل:آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، الفكر الإسلامي - بيروت، چاپ: دهم، ١٤٣٢.
الفكر الإسلامي ؛ ص٦٠
لى جانب هذه الشروط، لدينا معارف عقلية- تقوم بمقارنات- نكشف بها خطأ بعض أحاسيسنا، وهي كالتالية:
ألف: المصاب بالدوار لا يشك في أن حسه هو مبعث الإحساس بحركة العالم، وذلك لدى مقارنة حسه بحس الآخرين. إذ إن لدى كل منا حكمًا عقليًّا لا نرتاب فيه، يتلخص في: أن الواقع يجب أن يحس به كل أحد. فما دام الآخرون لا يحسون به، نكتشف أن الذي يحس به وحده لابد أن يكون خاطئًا. وهكذا كل إحساس خاطئ ينكشف زيفه فور مقارنته بإحساس الآخرين، أو بإحساس الرجل ذاته في سائر الأوقات.