الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٧ - جيم الفكرة بين العقل والإحساس
ونحن نضم أصواتنا إلى أصواتهم، وننكر أن يكون مجرد الانتزاع علمًا. والواضح أن الانتزاع، عمل من أعمال النفس، لا يكشف الخارج أبدًا. ولكنها بعيدة عن الامتداد الصحيح للمعلومات، الذي هو القسم الثاني، والذي لا يرتاب في صحته أحد حتى المنتمون إلى المدارس الحسية.
باء: الامتداد الصحيح:
الامتداد الصحيح، هو الذي يكشف لنا السبب الواقعي لحادثة معينة. فمثلًا: حين نجد موت حيوان بصورة فجائية، نقوم بالتجربة ونرى انفجارًا في مخه، ونقوم بعد هذه الملاحظة بعملية تفجيرية اصطناعية في مخ حيوان آخر، فإذا وجدنا موته هو الآخر، فلا نرتاب في أن أي حيوان في مثل هذه الحالة إذا حدث في مخه انفجار مثل هذا، فإنه سيموت. ونجد أن هذا العلم لا يخضع للتصور الذهني بل هو انكشاف وشهود للنفس.
إن (أديسون) الذي قام بتجاربه المحسوسة في حقل الكهرباء وحفظ الضياء، عرف أنه لا مناص له من العثور على خيط من الكربون، فكربن كل ما وقعت عليه يداه بغية الوصول إلى فتيل كربوني رفيع يصلح للإضاءة العملية. وبعد تجربة ١٢٠٠ مادة من أنواع المواد، وجدها أنها كلها ليست من الصلابة بالقدر الكافي للبقاء أكثر من ٨ دقائق، وإذا به- فيما يقرب من اليأس- جاء بخيط فكه من أحد أزراره وعندئذ ألهم أن يكربن هذا الخيط القطني التافه فإذا به يبرهن على أنه أطول عمرًا من كل ما جرب، فقد ظل مشتعلًا أربعين ساعة قبل أن ينطفئ. إن هذه كانت خطوات (أديسون) لكشفه العظيم (المصباح الكهربائي). فإذا أردنا تتبع خطواته عرفنا أن الحس كان يلعب دورًا ثانويًّا، وأن كشفه الحقيقي إنما كان لأن إحساسه دفع إلى معرفة السبب. فلو افترضنا أن أديسون لم يكن يملك العقل الكافي، فهل كان يعلم حين يجرب على خيط واحد أن كل ما يشابه هذا الخيط هو مثله ولو لم يكن قد رآه فعلًا؟!.
يقول الكسيس كاريل- وهو مكتشف قدير-: «جميع عظماء الرجال وهبهم الله بصيرة، فهم يعرفون دون تحليل أو تفكير ما هي الأشياء الهامة التي يجب عليهم أن يعرفوها. ولهذا فإن الزعيم الحقيقي للرجال لا يكون بحاجة إلى الاختبارات النفسية أو بطاقات التوصية، حينما يريد أن يختار مساعديه. كما أن في استطاعة القاضي الفذ أن يصدر حكمًا عادلًا دون الدخول في تفاصيل الحجج القانونية، بل حتى إذا بدأ بحثه بالمقدمات الخاطئة