الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٠ - ٣ - الدليل إلى الله
أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ اْلأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما [١]، وهل هي بحاجة إلى أكثر من لفتة نظر، حتى نعرف أن هناك من نحتار في كنهه ولا نعرف إلَّا أنه شيء فوق الأشياء، شيء لا يشبه الأشياء، وهو قادر عليم، وهو الذي أبدع الكون إبداعًا.
دال: يقولون: هي الصدفة التي نسَّقت علاقة الأشياء ببعضها. فصدفة وبدون أية حكمة أو تدبير كانت حركة كوكبنا (الأرض) حول الشمس منضبطة تمام الانضباط، بحيث لا يمكن أن يحدث أدنى تغيُّر في سرعة دورانها حتى بعد مرور قرن من الزمان. وصدفة كان نظام القمر الذي يتبع في حركته الأرض يدور في فلك مقرر ومنضبط مع تفاوت يسير يتكرر بدقة فائقة.
هل هي صدفة؟.
نحن لا نفقه من لفظة الحكمة إلَّا النظام الدقيق، فهل هم يفهمون منها ما يُرادف كلمة الصدفة. إن الفضاء الكوني فسيح جدًّا تتحرك فيه كواكب لا حصر لها [٢]، بحيث لو أُوتيتَ- فرضًا- أجنحة من نور وسارت بك ألف مليون سنة في سرعة الضوء لما قدرتَ أن تحيط بالكون؛ لأنه في توسُّع مستمر يسبق أجنحتك الخيالية السرعة.
إن دقة التنسيق وروعته تبهران الإنسان وهو يتدبر في آفاق السماوات التي تهتف به أنها تُدَبَّر من لدن حكيم عليم.
هاء: إن شواهد العمد والتصميم السابق متوافرة في كل حركة في الكون. فبالرغم من وجود سنن كونية تجري عبرها الكواكب والمنظومات، فإنها ليست كآلة ميكانيكية، بل إنما هي كسيارة في عراء قد استوى عليها صاحبها وسيَّرها بقدرةٍ وخبرةٍ بالغةٍ.
فالآلة الميكانيكية تفترق عن السيارة في أنها ذات محدودية ضيِّقة، وبرغم تحرُّكها فهي لا تتطور ولا تتوسع. وإن الكون يجري لمستقر معلوم، له بداية وله توسُّع وتناقص وله نهاية. ومن هنا فليست المجرات- وهي تتغير وتتطور- كالساعة الأوتوماتيكية التي صُنعت ثم جُعلت تتحرَّك بذاتها، بل هي كالساعة وهي تُصنع وتُكمل لحظة بعد لحظة؛ لأنها في صنع وتقدير مستمرين. فمثلًا: مجرات الكون تسير حينًا باتجاه بعضها ولكنها لا
[١] سورة الأنبياء، آية: ٣٠.
[٢] أقوى تلسكوب في العالم يستقر في (ماونت بالومار) في الولايات المتحدة، ويشاهد بلايين النجوم.