الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - نقد العقل للإحساس
باء: وقد تصاب العين بالمرض فترى الأشياء مقلوبة، ولكن اليد تكشف زيف هذا الإحساس، حين تلمس الأشياء لتجدها سالمة. وهكذا يحكم العقل بين الأحاسيس المختلفة بمقارنتها ببعضها.
جيم: وقد تبصر العين رجلًا قزمًا فلا يتردد العقل من الحكم بأنه طويل القامة، لأنه يقارن المسافة بينه وبين الرجل، فيقول: إذا كانت الرؤية من بعد ميل تظهر الشخص بهذا الطول- نصف متر- فلابد أنه إذا اقترب يظهر ذا طول قد يتجاوز المترين. وهكذا يقدر العقل دور المسافة في العين والأذن وسائر الأعضاء، بل هكذا يقدر سائر القوانين الفيزيائية، كوزن الشيء في الماء؛ فإن الإحساس البسيط يزعم أنه خفيف مثل ما يتصور، إلَّا أن العقل سرعان ما يحكم بخلاف ذلك.
دال: مقارنة سائر العوارض الداخلية، فقد تشعر جميع أعضاء الجسم بالبرودة أو بالحرارة الشديدة، ولكن العقل لا يتردد في أن ذلك إحساس باطل؛ لأنه يتقارن مع عوارض المرض، مما يدل على زيف الإحساس. وهكذا في كل مرض، كفقدان التوازن والذوق والشم و ... و ...
وتتشابه الأخطاء الحسية الناجمة من العقاقير المخدرة كالأفيون والهرويين و ... و ... بالأخطاء المرضية التي لا يلبث العقل حتى يفضحها.
وهناك عدة أنواع أخرى من المقارنة لا نذكرها لأنها متشابهة ومعروفة، ويقوم كل واحد منا بتجربتها يوميًّا وبصورة عفوية، إلَّا أنه ينبغي أن نبين هنا حقيقة المقارنة ونقول:
إن كل مقارنة تنطوي على مجموعة من الأحكام العقلية التي لم نعد نلتفت إليها لسرعة تحققها وشدة وضوحها. فمثلًا: إن المقارنة بين ما نحس به وأحاسيس الآخرين، إنها تنطوي على الحكم الواضح الذي لا نرتاب فيه، وهو أن ما أحس به أن كان هو الواقع وجب ألَّا يختلف فيه حس الآخرين لأنهما من طبيعة واحدة، وتكشفان عن حقيقة واحدة. فلابد أن يكون الاختلاف بسبب آخر هو المرض والخطأ وما أشبه. ودون العقل من أين نعرف أن الحقيقة واحدة، أو أن الحقيقة الواحدة لا تبث إلَّا لونًا واحدًا من الإحساس عندي وعند الآخرين، أو أن للاختلاف سببًا خارجيًّا. فلماذا لا يكون الشيء بلا سبب؟.
وبهذا كله، نتمكن من فضح المغالطة الكبيرة التي استند إليها النسبيون حين قالوا: