الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٤ - ٣ - الاقتصاد الإسلامي
إن الإنسان خلق حرًّا مختارًا، وكل وجدان يشعر بذلك، وعليه فمن حق كل إنسان أن يسترشد بعقله ويستخدم حريته كيف شاء من دون أن يكون لأي شخص آخر أن يُحدِّد حريته، وما دام الإنسان خلق حرًّا وعاقلًا فإنه لا تمييز بين بني الإنسان، ويقول على لسان الرسول (ص):
«إِنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، مِثْلُ أَسْنَانِ المُشْطِ، لَا فَضْلَ لِلْعَرَبِيِّ عَلَى الْعَجَمِيِّ، وَلَا لِلْأَحْمَرِ عَلَى الْأَسْوَدِ إِلَّا بِالتَّقْوَى ..»[١].
فما دام الناس عباد الله فهم سواء، وليس لأحد أن يظلم أو يطغى على أحد ويقول:
«مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ..»[١].
وحرية الإنسان هي التي تُثبت ملكيته الخاصة، ذلك لأن الملكية تجسيد للعمل، والعمل جزء من الإنسان، فإذا كان الإنسان حرًّا كان مالكًا لعمله ولما يؤدي إليه عمله. ولهذا يقول الإسلام:
«سِبَابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ، وَأَكْلُ لحْمِهِ (غيبته) مَعْصِيَةٌ، وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ»[١].
وما دام البشر كلهم يملكون أنفسهم وأموالهم ف-
«إِنَّ النَّاسَ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ»
[٤]، فليس لأحد أن يُثري على حساب أحد، كأن يُسخِّره أو يخدعه أو يغصبه أو يأكل ماله بالباطل. يقول الإسلام:«لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ»[١].
ومن ذلك العمل بالمحرمات التي تضر المجتمع .. وهكذا عرفنا كيف ولماذا تُحدَّد حرية كل شخص إذا عارضت حرية الآخرين؟.
وإذا كان الناس أحرارًا فمنهم من يعمل كثيرًا، ومنهم من يعمل قليلًا ومنهم ذكي ومنهم غبي [٦]. وليس لنا أن نقول لهم: كونوا متساوين؛ إذ لا حق لنا في ذلك ماداموا أحرارًا. وحينذاك فهل نمنع أجر الأفضل والأكثر عملًا؟ فنمنعه حقه ونمنعه حريته (مع أنه سوف يكسل عن العمل الأفضل فيتضرر الجميع) أم الأفضل- كما يقول الإسلام- أن نُطلق حريته لكي ينشط ويتفنن ويُتقن
[١] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٣٤٨.
[٢] نهج البلاغة: قسم الرسائل رقم: [٥٣] من كتاب له كتبه للأشتر النخعي لما ولّاه على مصر.
[٣] الأصول من الكافي: ج ٢، ص ٣٥٩.
[٤] بحار الأنوار: ج ٢، ص ٢٧٢. عن النبي (ص).
[٥] وسائل الشيعة: ج ١٤، ص ٥٧٢.
[٦] من الواضح أن الناس مختلفون اختلافًا طبيعيًّا بفعل العوامل الوراثية أو التربوية، هذا الاختلاف نعمة من الله كي يتخذ كل فرد مكانه من العمل؛ إذ من المعلوم أن الأعمال متفاوتة فإذا كان الناس متساوين اختار كلهم خير الأمور، فينشأ النزاع. قال الله سبحانه: وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. سورة الزخرف، آية: ٣٢.