الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٥ - ٣ - الاقتصاد الإسلامي
عمله إتقانًا، ولكن بشرط ألَّا تكون حريته سببًا لسلب الآخرين حريتهم، وفي حدود القانون.
ومن ناحية ثانية: فإن الغني الذي يكتسب المال في ظل دولة توفر له الاطمئنان والأمن، من الطبيعي أن يكون بعض ماله من حق تلك الدولة (كالذي يكتسب المال في متجر غيره) فلابد إذًا أن يُؤدي حق هذه الدولة لتحفظ أمواله ونفسه وأمنه، ومن هنا ينشأ الخمس والزكاة.
ومن جهة ثالثة: فإن الإنسان الحريص على المال لابد وأن يغفل حينًا- ولو كان مسلمًا تقيًّا- ويسلب مال الناس من حيث لا يشعرون [١]، فلابد أن يُرجعه إليهم، ومن هنا ينشأ رد المظالم.
ومن جهة رابعة: فإن الناس كلهم- لاسيما في النظام الإسلامي- يشتركون في تنمية ثروة هذا الشخص الثري بتعاونهم وحفظهم للأمن وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأمثال ذلك؛ فلابد أن يكون لهم سهم في أمواله، وهنا تنشأ سائر الضرائب.
وأخيرًا فإن الإسلام- بوحي من الله العليم البصير- وضع مناهج دقيقة ومضبوطة لاستخراج أسهم الدولة والناس الواقعية من ثروة الغني، ففرض عدة أنواع من الضرائب، تسبب التقليل من تضخيم الثروة، وهذه الضرائب تكفي لدى التدبير لسد حاجات الضعفاء والحاجات العامة.
وهذا هو الخط العريض والدقيق لفرض ضرائب عامة، وقد رأينا كيف أنه يوافق أدق أحكام الفطرة والوجدان.
ولكن هذا لا يعني أن الإسلام لا يتوسل بوسائل أخرى في سبيل تحديد الثروة، لكن حتى تلك الأمور تسير باتجاه صحيح على ضوء الفلسفة الإسلامية العامة [٢]، وهي:
١- إن الإسلام يرى الإنسان في رحلة طويلة، وإن ما يقدمه لنفسه من خير يُوفَّاه في
[١] إن تضخُّم الثروة أكثر ما يكون من الاجحاف والتسعير الغالي والأرباح غير العادلة. وهذا وإن كان غير محرم إن كان عن غفلة ولكن فيه أثر الحرام، وهو أن المال لابد أن يرجع إلى أهله.
[٢] في الإسلام نوعان من التكاليف:- الأول: الواجبات: وهي تحدد المسيرة اللازمة لترقية المسلم في الحياة.- الثاني: المستحبات: وهي ما يزيد الحياة رفاهية وسعادة. وفي مجال الحد من تضخم الثروة للإسلام نوعان من التكاليف:- الضرائب اللازمة.- والضرائب المندوبة (وهي ما وراء الواجب). قال الله سبحانه: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اْلإِحْسانِ. سورة النحل، آية: ٩٠. وفي الحديث المفسر للآية: «الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ»، وسائل الشيعة: ج ١٦، ص ٢٩١.