الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٣ - ٣ - الدليل إلى الله
قليل من الناس يستطيع أن يقول ماذا سيصبح في المستقبل، بل ماذا يكسب غدًا ومتى يموت. ولو تدبَّرتَ قليلًا لوجدتَ أن صدفًا ما غيَّرت مسيرة حياتك، وحوادث ما جعلتك تُغيِّر أفكارك، بل إنك في لحظات اضطررت أن تختار طريقًا مختلفًا عن آمالك، بل اخترته بصورة فجائية لم تسبقك إليه بادرة أبدًا. ولقد عبَّرت عن هذه الحقيقة آية شريفة تعبيرًا لطيفًا، فقالت: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ [١].
وإنك تعلم كثيرًا، ولكنك لا تختار بالضبط متى تعلم وكيف تعلم. وبالرغم من أن هناك أسبابًا معينة للتعلّم فإن يدًا غيبية تُنظِّم التعليم وتُوجِّهه. وأكبر العلماء وأقدرهم يرى نفسه- حسب اعترافات فريق عظيم منهم- تلميذًا متواضعًا للغيب يفتح له أبواب العلم بقدر معلوم.
ولم تتم الاكتشافات العظيمة إلَّا في حالات تشبه الغيبوبة والتنبُّه الخاطف. ونعلم أشياء ثم ننساها وصدفةً نتذكرها، وحين نتدبر لحظات نرى أن هناك مصالح عامة عملت في ذهولنا .. ولا نعلم أشياء، وصدفةً نعرفها ويكون ذلك في صالحنا ونسميه الحاسة السادسة. هكذا يتقلَّب البشر بين أصابع الله سبحانه. فإذا به يجد ذاته مدبَّرًا محدود الاختيار. قال الله سبحانه: إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي اْلأَرْحامِ وَ ما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَدًا وَ ما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ خَبيرٌ [٢].
وقال الإمام أمير المؤمنين (ع) في جواب سؤال وُجِّه إليه: «بِمَا عَرَفْتَ رَبَّكَ؟. قَالَ (ع):
بِفَسْخِ الْعَزْمِ وَنَقْضِ الْهِمَم»[١].
طاء: وفي حالات عديدة يرتبط وجداننا بقوة غيبية فنسأل صاحبها (باسم أو بآخر) ونتضرَّع إليه بقلوبنا، فنجدها ذات أثر فعَّال في توجيه حياتنا نحو الأفضل، ونجد الحياة المستصعبة تيسَّرت، حتى نخال أن القدرة كانت من ذواتنا بصورة أصيلة. وعندما تهجم علينا المصائب تتوسل قلوبنا بقوة غيبية قاهرة لا نعلم أين هي وكيف هي، بل لا نعرف عنها إلَّا أنها قادرة على إنقاذنا. وقد تصفو النفس إلى درجة تحسب أنها ترى الله، بل هو أشد من الرؤية وضوحًا آنذاك، ولو يتذكَّر الإنسان تلك اللحظات لعرف أن الله لا ريب فيه،
[١] سورة الأنفال، آية: ٢٤.
[٢] سورة لقمان، آية: ٣٤.
[٣] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٤٢.