الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٥ - ٢ - أي رب ندعو إليه؟
المعرفة فطرة الإنسان:
الإنسان جزء متفاعل مع العالم كله، يرتبط معه في كل شيء؛ في مواد جسمه وسنن حياته ومعارف عقله وشهوات قلبه. وأي محاولة لفصله عن طبيعته المتفاعلة المنسجمة مع الكون تكون فاشلة. والمعارف البشرية سعي متواضع لكشف بعض مناحي هذا التفاعل الواسع بين البشر والكون من حوله.
والدين الحق تعبير صحيح عن الكون؛ روحه وجسمه، باطنه وظاهره. وفي الكون هذا الإنسان المتفاعل معه، والكون خليقة الله العظمى ومظهر أسمائه الحسنى فهو أبرز شاهد وأكبر آية على الله تعالى.
وبحكم تفاعل الإنسان مع هذا الكون، وبحكم أن الكون شاهد على الله؛ فهو مفطور على الدين ليس في عقله وروحه فقط بل في كل شيء منه، فهو مرتبط بأكثر من خيط بأصله وطبيعته. وشعوره لا يعدو أن يكون مفطورًا على معرفة الله وحبه والإنابة إليه، وهذا نوع من المعرفة الفطرية تأكدت بمعرفة أخرى عندما بدأ الله خلق الإنسان، حيث أشهده على نفسه وعرّفه خلقه. وهنالك عرفنا ربنا معرفة تامة، وعلق بأنفسنا ما يشبه الظل من تلك المعرفة، ذلك الظل الذي يدفعنا أبدًا إلى البحث عن الله، فتارة نهتدي إليه وتارة نضل عنه فنتخذ أندادًا من دون الله ونزعم بأنها هو الذي عرفناه سابقًا. ولولا هذه المعرفة الأولية التي تدغدغ ضمير كل بشر لما بحث الناس عن إله، ولما ابتغوا إليه الوسيلة بشتى الأسباب.
وهذه الفطرة تساعد الإنسان على معرفة الله الحق. فليس أمامه سوى أن ينبه به ويذكر إليه فإذا بشعاع المعرفة يغمر فؤاده، إلَّا أن يجحد عنادًا وطغيانًا .. قال تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلينَ [١]. وجاء في الحديث في تفسير هذه الآية: «قُلْتُ مُعَايَنَةً كَانَ هَذَا؟.
قَالَ (الإمَامُ الصَّادِقُ (ع)):
نَعَمْ فَثَبَتَتِ المَعْرِفَةُ وَنَسُوا المَوْقِفَ وَسَيَذْكُرُونَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ
..» [٢].
[١] سورة الأعراف، آية: ١٧٢.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٢٣٧.