الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - ٢ - أي رب ندعو إليه؟
حتى أن العلم بوجود واقع العلم لا يعني أننا نثبت للعلم وجودًا كما نثبت للمعلوم وجودًا. ذلك لأنه ليس لنا طريق إلى إثبات وجود للعلم، بل كل ما يعني ذلك أننا نخرج العلم عن إطار العدم وننكر أن يكون معدومًا.
فالمعرفة التي يمكننا تحصيلها في هذا المجال هي التي تجعلنا بين النفي والإثبات، حيث ننفي العدم، ولا يمكننا أن نشير إلى الوجود. صحيح أن إنكار العدم بذاته دليل الوجود؛ إذ لا وسيط بينهما، ولكن لا يمكننا الإثبات الصريح؛ لأننا لم نؤتَ وسيلة إلى ذلك. وهكذا تكون المعرفة بالله!.
حينما نرى السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات في غاية الدقة والنظام، لا نملك إلَّا أن نعترف بأن موجدها وخالقها ليس عدمًا. ولكن هيهات لنا أن ندَّعي له وجودا إلَّا بقدر (أن كل ما ليس بمعدوم فهو موجود). وهذا يختلف عن القول بثبوت الوجود له على غرار (الوجود) الذي نعهده في الأشياء سبحانه.
وحينما نرى في آيات الله آثار التدبير والتقدير نعلم أن بارئها يتعالى عن الجهل والضعف. وهل يعني هذا أننا عرفنا (علم الله) وأحطنا (بقدرة الله)؟. كلَّا!. لا يعني هذا إلَّا نفي الجهل والضعف عنه، وأن نقول: تعالى الله عما هو صفة المخلوقين. وما قولنا: إن الله قدير عليم إلَّا إشارة إلى نفي الضعف والجهل عنه، لا أننا علمنا منه (العلم والقدرة)؛ لأنه قد سبق أن عقولنا أعجز من أن تصل إلى مستوى الخالق. وإلى هذه الحقيقة تشير الأحاديث التالية:
* سأل سائل الإمام الصادق (ع) عن الله؟. فقال (ع):
«هُوَ الرَّبُّ وَهُوَ المَعْبُودُ وَهُوَ اللهُ. وَلَيْسَ قَوْلِي (اللهُ) إِثْبَاتَ هَذِهِ الحُرُوفِ (أَلِفٍ، وَلَامٍ وَهَاءٍ، وَلَا، رَاءٍ، وَلَا بَاءٍ) وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى مَعْنًى وَشَيْءٍ خَالِقِ الْأَشْيَاءِ وَصَانِعِهَا وَنَعْتِ هَذِهِ الحُرُوفِ، وَهُوَ المَعْنَى سُمِّيَ بِهِ اللهُ وَالرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ وَالْعَزِيزُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَهُوَ المَعْبُودُ جَلَّ وَعَزَّ.
قَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ مَوْهُومًا إِلَّا مَخْلُوقًا؟.
قَالَ أَبُو عَبْدِالله (ع):
لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ التَّوْحِيدُ عَنَّا مُرْتَفِعًا لِأَنَّا لَمْ نُكَلَّفْ غَيْرَ مَوْهُومٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: كُلُّ مَوْهُومٍ بِالحَوَاسِّ مُدْرَكٍ بِهِ تَحُدُّهُ الحَوَاسُّ وَتُمَثِّلُهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ وَالْعَدَمَ، وَالجِهَةُ الثَّانِيَةُ التَّشْبِيهُ إِذْ كَانَ التَّشْبِيهُ هُوَ صِفَةَ المَخْلُوقِ الظَّاهِرِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ لِوُجُودِ المَصْنُوعِينَ وَالاضْطِرَارِ إِلَيْهِمْ. إنَّهُمْ